طه · الآية 67

﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ

«فَأَوْجَسَ»: فِعلٌ يَقَعُ حَيثُ لا يُرى

والفاءُ لِلتَّعقيب، فقد وَقَعَ الإلقاءُ فوَقَعَ هذا بِلا فاصِل.

ومَدارُ و-ج-س على وَصلٍ يُحبَسُ في الجَوفِ مَستوراً ثُمَّ يَنفُذُ من بَينِ الأثناءِ فيُحَسّ، ومِنه «الوَجْس» لِلصَّوتِ الخَفِيِّ يَقَعُ في النَّفس، و«تَوَجَّسَ» إذا أرهَفَ سَمعَه لِما لا يَكادُ يُسمَع.

فالمادّةُ تَصِفُ شَيئاً دَقيقاً يَقَعُ في الباطِنِ فيُدرِكُه صاحِبُه وَحدَه، ولا تَصِفُ صَوتاً عالِياً ولا حَرَكةً ظاهِرة. و«أوجَسَ» على أفعَلَ، ومَعناه وَجَدَ ذلك في نَفسِه.

«فِي نَفْسِهِ»: جارٌّ ومَجرورٌ يَحسِمُ المَوضِع

ولم يُكتَفَ بِالفِعلِ حتّى قيلَ أينَ وَقَع، و«في» لِلظَّرفِيّة، والظَّرفُ «نَفسُه»، والمَظروفُ «خِيفَةً».

وأصلُ ن-ف-س جَوفٌ يَحتَبِسُ فيه جارٍ يَخرُجُ ويَعود، ومِنه «النَّفَس» و«تَنَفَّسَ الصُّبحُ»، فالنَّفسُ في المادّةِ باطِنٌ يَتَرَدَّدُ فيه ما لا يُرى.

وحَدَّدَتِ الآيةُ المَحَلَّ لِتَدُلَّ على أنَّ شَيئاً لم يَخرُجْ، فلا صَوتَ ولا حَرَكةَ ولا كَلِمة، ووُصِفَ الباطِنُ وسُكِتَ عن الظّاهِرِ لأنَّه لم يَكُنْ فيه ما يُوصَف.

«خِيفَةً»: هَيئةٌ واحِدةٌ لا الخَوفُ كُلُّه

وأوثِرَت «خِيفَةً» على «خَوفاً»، وهي على وَزنِ فِعلة، وهو وَزنُ الهَيئةِ والحالِ الواحِدة، فالمُرادُ صورةٌ من الخَوفِ لا جِنسُه.

وجاءَت نَكِرةً غَيرَ مَوصوفة، فلم تُوصَفْ بِشِدّةٍ ولا يُسر، وذُكِرَ وُقوعُها ولم يُذكَرْ قَدرُها.

ومادّةُ خ-و-ف فَراغٌ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه، فالخَوفُ في مادَّتِه فَراغٌ يَمتَدُّ في الباطِن، وليسَ ثِقَلاً يُوضَعُ عَلَيه، وما دَخَلَ الجَوفَ فَراغاً لا يُرى في الوَجه.

«مُّوسَىٰ»: الاسمُ يَجيءُ آخِراً

وتَتَقَدَّمُ أربَعُ كَلِماتٍ قَبلَ أن يُذكَرَ مَن هو: فِعلٌ، ثُمَّ كَلِمَتانِ تُعَيِّنانِ مَوضِعَه، ثُمَّ ما وُجِد، ثُمَّ يَأتي الفاعِل.

وتَسمَعُ الأُذُنُ الحادِثةَ كامِلةً قَبلَ أن تَعرِفَ صاحِبَها، وهي شَيءٌ خَفِيٌّ وَقَعَ في جَوفِ إنسانٍ فوَجَدَه، ثُمَّ يُذكَرُ في آخِرِ الآيةِ لِمَن كانَ ذلك الجَوف.

فالتَّرتيبُ يُقَدِّمُ الحالَ ويُؤَخِّرُ الاسم، وما وَصَفَتْه الآيةُ مَوصوفٌ قَبلَ أن يُنسَب، فهو حالٌ بَشَرِيّةٌ تامّةٌ ثُمَّ تُعرَفُ لِصاحِبِها.

وما جَرى في الجَوفِ لم يُحَدَّثْ بِه أحَد، وسيُجابُ عَنه في الآيةِ التّالِيَة.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِفاءٍ لا فاصِلَ بَعدَها، ثُمَّ بِفِعلٍ من و-ج-س، وهو مَحبوسٌ في الجَوفِ يَنفُذُ دَقيقاً فيُحَسُّ ولا يُسمَع، وصيغةُ أفعَلَ تَجعَلُه وِجداناً في النَّفس. ثُمَّ يُحسَمُ المَوضِعُ بِـ«فِي نَفْسِهِ»، ون-ف-س جَوفٌ يَتَرَدَّدُ فيه ما لا يُرى، فيُعلَمُ أنَّ شَيئاً لم يَخرُجْ إلى الظّاهِر. ثُمَّ «خِيفَةً» على فِعلةٍ لِلهَيئةِ الواحِدة، نَكِرةً بِلا وَصف، فذُكِرَ وُقوعُها ولم يُذكَرْ قَدرُها، وخ-و-ف فَراغٌ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه. ثُمَّ يَجيءُ الاسمُ آخِراً بَعدَ أربَعِ كَلِمات، فتَتِمُّ الحالُ في السَّمعِ ثُمَّ تُنسَب. وقد وَقَعَ في جَوفِ إنسانٍ شَيءٌ لم يَخرُجْ مِنه حَرف، وتُجيبُه الآيةُ التّالِيَة.