طه · الآية 78
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«فَأَتْبَعَهُمْ ... بِجُنُودِهِ»: باءٌ ثانِيَةٌ في آيَتَينِ مُتَتالِيَتَين
الفِعلُ على وَزنِ أفعَلَ كَما كانَ الأمرُ قَبلَه على وَزنِ أفعَل. وقيلَ هُناكَ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ وقيلَ هُنا «بِجُنُودِهِ». باءٌ وباء.
رَجُلانِ يَتَحَرَّكانِ وكُلٌّ مِنهُما يَجُرُّ خَلفَه جَماعةً بِحَرفٍ واحِد. الصّيغةُ واحِدةٌ والحَرفُ واحِدٌ والمَوقِعُ من الجُملةِ واحِد.
وتَختَلِفُ الإضافةُ وَحدَها. هُناكَ «عِبَادِي» بِياءِ المُتَكَلِّم، وهُنا «جُنُودِهِ» بِهاءِ الغائِب. أحَدُهُما يَحمِلُ ما لَيسَ لَه، والآخَرُ يَحمِلُ ما نُسِبَ إلَيه.
«فِرْعَوْنُ»: اسمٌ يَتَأَخَّرُ عن فِعلِه
وَقَعَ الفِعلُ ووَقَعَ مَفعولُه، ثُمَّ جاءَ الفاعِلُ مُسَمّى. لَم تَبدَأِ الآيةُ بِالاسمِ بَل بِما صَنَع.
والجُنودُ من ج-ن-د اجتِماعٌ يُحتَوى في حَيِّزٍ ثُمَّ يَثبُتُ تَحتَ ضَغط. فلا يَكفي العَدَدُ حَتّى يَنضَبِطَ تَحتَ أمرٍ واحِد.
«فَغَشِيَهُم»: فِعلٌ يَقَعُ ولا يُذكَرُ فاعِلُه بَعد
الفاءُ تَعقُبُ الفاءَ. اتِّباعٌ ثُمَّ غِشيان، بِلا فَجوةٍ في اللَّفظِ بَينَهُما.
والغِشيانُ من غ-ش-ي سَترٌ كَثيفٌ يَتَفَشّى على سَطحٍ فيَعلوه. ومنه «الغِشاء» لِما يَنزِلُ على الشَّيءِ من فَوقِه فيَستُرُه.
وجاءَ الفِعلُ ومَفعولُه ولَم يَجِئْ فاعِلُه في مَوضِعِه. والأُذُنُ تَنتَظِر: ما الذي غَشِيَهُم؟
«مِّنَ الْيَمِّ»: مَصدَرٌ يُسَمّى ومَصدورٌ لا يُسَمّى
«مِن» لِابتِداءِ الغاية. فالمَذكورُ من أينَ جاءَ لا ما هو. حَرفٌ يَدُلُّ على الجِهةِ ويُبقي المُبتَدَأَ منه مَجهولاً في اسمِه.
و«الْيَمِّ» غَيرُ «الْبَحْرِ». قيلَ في الآيةِ قَبلَها فِي الْبَحْرِ﴾ وقيلَ هُنا «مِّنَ الْيَمِّ»: اسمانِ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين، ولِكُلٍّ حَرفُه.
والجِذرُ ي-م-م سَريانٌ يُمسَكُ في احتِواءٍ مُضاعَف. وهو الاسمُ الذي يَتَرَدَّدُ في هذه السّورةِ في مَواضِعَ أُخرى، فيُقرَأُ حَيثُ وَرَد.
«مَا غَشِيَهُمْ»: الفِعلُ يَجلِسُ في مَقعَدِ الاسم
جاءَ الفاعِلُ أخيراً: «مَا». وصِلَتُها هي الفِعلُ نَفسُه مُعاداً بِلَفظِه.
فالمَوضِعُ الذي كانَ يَنتَظِرُ اسماً وَقَعَ فيه الفِعلُ ثانِيَةً. سُئِلَ: ما الذي غَشِيَهُم؟ فأُجيبَ: الذي غَشِيَهُم.
ولَم يُسَمَّ الغاشي ولا وُصِفَ بِصِفةٍ واحِدة. ولا قيلَ ما صارَ إلَيهِم بَعدَ الغِشيان. الجُملةُ تَنتَهي عِندَ الفِعلِ المُعاد.
وهذا اختِيارٌ لا اختِصار. لَو أُريدَ الاسمُ لَقيل، فالكَلامُ نَفسُه ذَكَرَ اسمَ فِرعَونَ واسمَ جُنودِه واسمَ اليَمّ. ثَلاثةُ أسماءٍ في سَطرٍ واحِدٍ ثُمَّ امتِناعٌ عن الرّابِع.
ومَن سَمّى ما امتَنَعَتِ الآيةُ عن تَسمِيَتِه فقَد أخَذَ مِنها أثقَلَ ما فيها. الصَّمتُ هُنا لَيسَ فَجوةً تُسَدّ، بَل هو الخَبَرُ نَفسُه.
حَصيلة
الصّيغةُ على أفعَلَ كَما كانَ الأمرُ قَبلَها على أفعَل، والباءُ هُنا كَالباءِ هُناك: رَجُلانِ يَتَحَرَّكانِ وكُلٌّ يَجُرُّ جَماعةً بِحَرفٍ واحِد، ولا يَختَلِفُ إلّا المُضافُ إليه: «عِبَادِي» بِياءِ المُتَكَلِّمِ و«جُنُودِهِ» بِهاءِ الغائِب. ويَتَأَخَّرُ الاسمُ عن فِعلِه فتُذكَرُ الحَرَكةُ قَبلَ صاحِبِها، والجُنودُ من ج-ن-د اجتِماعٌ يُحتَوى ثُمَّ يَثبُتُ تَحتَ ضَغط. ثُمَّ فاءٌ بَعدَ فاء: اتِّباعٌ فغِشيان، والغِشيانُ من غ-ش-ي سَترٌ كَثيفٌ يَتَفَشّى على سَطحٍ فيَعلوه. ويَقَعُ الفِعلُ ومَفعولُه ويَتَخَلَّفُ الفاعِل. و«مِّنَ الْيَمِّ» ابتِداءُ غايةٍ يُسَمّي الجِهةَ ولا يُسَمّي الشَّيء، و«الْيَمِّ» غَيرُ «الْبَحْرِ» الذي في الآيةِ قَبلَه، اسمانِ مُتَجاوِرانِ لِكُلٍّ حَرفُه. ثُمَّ يَأتي الفاعِلُ «مَا» وصِلَتُها الفِعلُ نَفسُه: المَقعَدُ الذي كانَ لِلاسمِ جَلَسَ فيه الفِعلُ ثانِيَةً. وثَلاثةُ أسماءٍ ذُكِرَت في سَطرٍ واحِدٍ ثُمَّ امتُنِعَ عن الرّابِع، فالصَّمتُ اختِيارٌ لا اختِصار، وهو الخَبَرُ نَفسُه لا فَجوةٌ فيه.