النبأ · الآية 3

﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ

«الَّذِي»: تَعريفٌ بِما يَجري عَلَيه لا بِاسمِه

ثالِثةُ الآياتِ ولا اسم. سُئِلَ أوَّلاً بِأداةٍ نَقَصَت، ثُمَّ سُمِّيَ الجِنسُ ووُصِفَ بِثِقَلٍ مَحجوبِ الحَدّ، ثُمَّ جاءَ التَّعيينُ المُنتَظَرُ فإذا هو «الَّذِي»: مَوصولٌ يَنتَظِرُ صِلَتَه.

والمَوصولُ لا يُعَرِّفُ بِذاتٍ بَل بِفِعلٍ يَقَعُ في المَحَلّ. فما عُرِّفَ بِه النَّبَأُ هنا هو ما يَصنَعُه النّاسُ حَولَه، لا ما هو في نَفسِه. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.

ثَلاثُ آياتٍ مُتَتالِيةٍ تَمتَنِعُ عن التَّسمِية، وكُلُّ واحِدةٍ تَزيدُ السّامِعَ شَدّاً. المَنعُ المُتَكَرِّرُ لَيسَ كِتماناً، هو طَريقةٌ في التَّوجيه: يُنقَلُ النَّظَرُ من الشَّيءِ إلى مَوقِفِ النّاسِ مِنه.

«هُمْ فِيهِ»: الاختِلافُ واقِعٌ داخِلَه لا عَلَيه

«فِيهِ» لا «عَلَيهِ» ولا «حَولَه». والظَّرفِيّةُ تَقولُ شَيئاً دَقيقاً: هُم داخِلُ النَّبَإِ حينَ يَختَلِفون. لَيسوا خارِجَه يَتَنازَعونَ عَلَيه، بَل هو الوِعاءُ الذي يَسَعُهُم جَميعاً وفيه وَقَعَ الانقِسام.

ولِذلك لا يُخرِجُهُمُ الاختِلافُ مِنه. مَن كانَ في وِعاءٍ فأدارَ ظَهرَه لِمَن مَعَه فيه، فقَد بَقِيَ في الوِعاءِ عَلى كُلِّ حال. الخِلافُ يُغَيِّرُ الوُجوهَ ولا يُغَيِّرُ المَحَلّ.

وقُدِّمَ «هُمْ» ثُمَّ «فِيهِ» ثُمَّ الخَبَر. فالضَّميرُ أوَّلاً، ثُمَّ الوِعاءُ الذي هُم فيه، ثُمَّ ما هُم عَلَيه فيه. تَرتيبٌ يَضَعُ النّاسَ ومَوضِعَهُم قَبلَ فِعلِهِم.

«مُخْتَلِفُونَ»: أن يُولِّيَ كُلٌّ صاحِبَه ظَهرَه

الجِذرُ خ-ل-ف نُفوذٌ يَتَعَلَّقُ بِما نَفَذَ فيه ثُمَّ يَفتَرِقُ عَنه ويَبعُد، وما يَقَعُ في جِهةِ الظَّهرِ فهو خَلف. والاختِلافُ عَلى هذا لَيسَ تَعَدُّدَ أقوالٍ فَحَسب: هو أن يَقِفَ كُلٌّ حَيثُ لا يَرى إلّا ظَهرَ الآخَر.

والجِذرُ في نَفسِه لا يَحمِلُ ذَمّاً. اللَّيلُ والنَّهارُ يُدبِرُ كُلٌّ مِنهُما عن وَجهِ صاحِبِه فلا يُعابانِ بِذلك. والحُكمُ يَنزِلُ بِالمَحَلِّ لا بِالحَرَكة، والمَحَلُّ هنا نَبَأٌ واحِدٌ ثَقيلٌ مَحجوبُ الحافّة.

و«مُخْتَلِفُونَ» اسمُ فاعِلٍ من افتَعَل. الصِّيغةُ تَجعَلُ الفِعلَ مَأخوذاً بِاختِيارِ صاحِبِه لا واقِعاً عَلَيه، واسمُ الفاعِلِ يَجعَلُه حالاً راسِخةً لا حادِثةً تَمُرّ. لَيسوا اختَلَفوا مَرّةً؛ هُمُ المُختَلِفون.

ولِلسّورةِ جَوابُها في مَوضِعِه: تَقولُ في ما يَلي يَوْمَ الْفَصْلِ﴾. مَن أدارَ ظَهرَه لِصاحِبِه في وِعاءٍ واحِدٍ يَنتَظِرُ يَوماً يُفصَلُ فيه. الاستِدبارُ يُجابُ بِالفَصل، والوَقتُ لَيسَ الآن.


حَصيلة

ثالِثُ مَوضِعٍ يُنتَظَرُ فيه الاسمُ فيَجيءُ «الَّذِي»: تَعريفٌ بِالصِّلةِ لا بِالذّات، وما عُرِّفَ بِه النَّبَأُ هو ما يَصنَعُه النّاسُ حَولَه. ثُمَّ «فِيهِ» بِالظَّرفِيّةِ لا بِالاستِعلاء: الانقِسامُ داخِلَ الوِعاءِ لا عَلَيه، ولا يُخرِجُهُم مِنه. وقُدِّمَ «هُمْ» ثُمَّ المَوضِعُ ثُمَّ الفِعل. و«مُخْتَلِفُونَ» من خ-ل-ف: ما يَقَعُ في جِهةِ الظَّهر، فالاختِلافُ أن يَقِفَ كُلٌّ حَيثُ لا يَرى إلّا ظَهرَ الآخَر، والجِذرُ في نَفسِه بِلا ذَمٍّ، والحُكمُ يَنزِلُ بِالمَحَلّ. واسمُ الفاعِلِ من افتَعَل يَجعَلُها حالاً مُتَكَلَّفةً راسِخة. وفي السّورةِ نَفسِها جَوابٌ يَنتَظِرُ: يَوْمَ الْفَصْلِ. الظُّهورُ المُتَقابِلةُ تَحتاجُ إلى مَن يَفصِل، والفَصلُ مَوعِدٌ لا حُجّة.