النازعات · الآية 39

﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ

«فَإِنَّ … هِيَ»: الجَوابُ المُنتَظَرُ يَنزِلُ مَقصوراً

هُنا تَجيءُ الفاءُ التي كانَت «أمّا» تَنتَظِرُها. فُتِحَ القِسمُ بِوَصفَينِ في آيَتَين، ثُمَّ أُغلِقَ بِخَبَرٍ واحِد. والمُهلةُ بَينَ الفَتحِ والإغلاقِ آيةٌ كامِلة، فالوَصفُ يُستَوفى قَبلَ أن يُقالَ إلامَ يَؤول.

و«إنَّ» تُثَبِّتُ الخَبَرَ وتُؤَكِّدُه. ثُمَّ يَجيءُ «هِيَ» بَينَ المُبتَدَإِ وخَبَرِه فَصلاً، وشَأنُ ضَميرِ الفَصلِ القَصر: لَيسَ الخَبَرُ مَأوىً من مَآوٍ، بَل هو المَأوى وَحدَه. وأَلِفُ اللّامِ في الخَبَرِ تَزيدُ الحَصرَ حَصراً.

«الْجَحِيمَ»: ما أُبرِزَ في العَراءِ يُسَمّى مَأوى

هذا اللَّفظُ نَفسُه مَرَّ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ في حالٍ أُخرى: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾. هُناكَ أُخرِجَت إلى ما لا سِترَ فيه، وهُنا تُجعَلُ مَوضِعاً يُنضَمُّ إليه. المَرئِيُّ عن بُعدٍ يَصيرُ المُقامَ الذي يُصارُ إليه.

والجِذرُ ج-ح-م تَكَتُّلٌ يَحتَبِسُ في مَضيقٍ يَحتَكُّ فيه فيَتَّقِد، ثُمَّ يَنضَمُّ في كُتلةٍ لا مَنفَذَ فيها. فما جُعِلَ مَأوىً هُنا مَبنِيٌّ في جِذرِه على الحَبسِ لا على السَّعة. والمَأوى إنَّما يُطلَبُ لِأنَّه يَحوي، وهذا يَحوي.

«الْمَأْوَىٰ»: مَوضِعٌ لا يُدخَلُ إلّا بَعدَ مُفارَقة

الجِذرُ أ-و-ي هَمزةٌ تَقطَعُ عمّا كان، ثُمَّ واوٌ تَعقِدُ حَلقةً تَحوي ولا تَسُدّ، ثُمَّ ياءٌ تَمُدُّ السُّكونَ فيها. ثَلاثُ حَرَكاتٍ في كَلِمة: انقِطاعٌ، فاحتِواءٌ، فامتِدادٌ لَيسَ في بِنيَتِه ما يُنهيه.

ولا يَتَعَدّى الفِعلُ إلّا بِـ«إلى»، وهو حَرفُ انتِهاءِ الغايةِ لا حَرفُ الظَّرف. فالمُسَمّى في الجِذرِ الحَرَكةُ الدّاخِلةُ لا الإقامةُ الحاصِلة، و«المَأوى» على مَفعَل مَوضِعُ وُقوعِ تِلكَ الحَرَكة.

والمُفارَقةُ التي يَشتَرِطُها الجِذرُ قَد وَقَعَت في الآيَتَينِ قَبلَه. مَن فاضَ عن حَدِّه فارَقَ الحَدّ، ومَن قَدَّمَ شَيئاً ومَضى في إثرِه فارَقَ ما تَرَك. فجاءَ الاسمُ على قَدرِ ما سَبَقَه. المَأوى لا يوصَفُ بِه إلّا مَن فارَقَ أوَّلاً.


حَصيلة

تَنزِلُ هُنا الفاءُ التي كانَت «أمّا» تَنتَظِرُها، بَعدَ آيَتَينِ استُوفِيَ فيهِما الوَصفُ قَبلَ الحُكم. و«إنَّ» تُثَبِّتُ الخَبَر، وضَميرُ الفَصلِ «هِيَ» يَقصُرُه، وأَلِفُ اللّامِ في «المَأوى» تَزيدُ القَصرَ قَصراً: لا مَأوىً سِواه. والمَحكومُ عَلَيه «الجَحيم»، وهو اللَّفظُ الذي مَرَّ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ مُخرَجاً إلى العَراءِ لِمَن يَرى، فصارَ ما يُرى عن بُعدٍ هو المُقامَ الذي يُصارُ إليه. والجِذرُ ج-ح-م تَكَتُّلٌ يَحتَبِسُ في مَضيقٍ ويَنضَمُّ في كُتلةٍ لا مَنفَذَ فيها، فالمَوضِعُ المَجعولُ مَأوىً مَبنِيٌّ على الحَبسِ لا على السَّعة. و«المَأوى» من أ-و-ي: قَطعٌ عمّا كان، فحَلقةٌ تَحوي، فسُكونٌ يَمتَدُّ ولَيسَ في بِنيَتِه ما يُنهيه، ولا يَتَعَدّى فِعلُه إلّا بِـ«إلى» فالمُسَمّى الحَرَكةُ الدّاخِلة. وقد وَقَعَتِ المُفارَقةُ في الآيَتَينِ قَبلَه: حَدٌّ فورِقَ، ومَتروكٌ خُلِّفَ خَلفَ ما قُدِّم. فجاءَ الاسمُ على قَدرِ ما سَبَقَه، والحَلقةُ التي تَحوي لا تَحوي إلّا مَن خَرَجَ من حَلقةٍ قَبلَها.