النازعات · الآية 8

﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ

«قُلُوبٌ»: يُذكَرُ الوِعاءُ ولا يُذكَرُ صاحِبُه

تَبدَأُ الآيةُ بِعُضوٍ لا بِقَوم. «قُلوبٌ» نَكِرةٌ في صَدرِ الكَلام، لَيسَ قَبلَها ولا بَعدَها ما يُضيفُها إلى أحَد. تَقولُ الآيةُ «قُلوبٌ» ثُمَّ تَمضي، فيَبقى الخَبَرُ مَعقوداً بِالمَوضِعِ الذي يَقَعُ فيه الحَدَثُ لا بِالاسمِ الذي يَملِكُه.

والقَلبُ في ق-ل-ب عُقدةٌ تَلتَئِمُ في العُمقِ وتَحوزُ ما تَعَلَّقَت بِه، ثُمَّ تَنفَتِحُ فتُخرِجُ ما حازَته. مَركَزٌ يُظهِرُ مَرّةً ويَكتُمُ مَرّة، وسُمِّيَ قَلباً لِتَقَلُّبِه. فالمَوضِعُ الذي اختارَته الآيةُ لِتَضَعَ فيه خَبَرَ ذلك اليَومِ هو المَوضِعُ الذي لا يَستَقِرُّ على حالٍ أصلاً. والتَّنكيرُ يَقتَطِعُ ولا يَستَغرِق: قُلوبٌ، لا القُلوبُ كُلُّها.

«يَوْمَئِذٍ»: حِصّةٌ مَشدودةٌ إلى ما قَبلَها

«يَومَ» من ي-و-م: امتِدادٌ لَيِّنٌ مَوصولٌ يَنتَهي إلى تَجَمُّع، حِصّةٌ ذاتُ طَرَفَينِ لا زَمَنٌ مَبسوطٌ بِلا حَدّ. ثُمَّ تَلحَقُ «إذٍ» فتَشُدُّ هذه الحِصّةَ إلى ما تَقَدَّم، والتَّنوينُ فيها عِوَضٌ عن جُملةٍ سَبَقَ ذِكرُها: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ﴾.

فاليَومُ هُنا لا يُعَرَّفُ بِعَدٍّ ولا بِمَنزِلةٍ في تَقويم، بل بِالحَدَثِ الذي جَرى فيه. زَمَنٌ يَأخُذُ اسمَه مِمّا مَرَّ بِه، كَما تَأخُذُ الأرضُ اسمَها من الأثَرِ الذي حُفِرَ فيها.

«وَاجِفَةٌ»: اضطِرابٌ مَحبوسٌ يَخرُجُ نَبضاً بَعدَ نَبض

و-ج-ف إحاطةٌ تَحتَوي ما اجتَمَعَ فيها، ثُمَّ شَقٌّ يَنفُذُ منه المُجتَمِعُ جَرَياناً مُتَتابِعاً. ومنه وَجيفُ القَلبِ: خَفقٌ لا يَملِكُ صاحِبُه إمساكَه. ومنه وَجيفُ السَّيرِ: خَبَبٌ مُتَدارِكٌ لا يَستَوي على وَتيرة. فالوَجيفُ حَرَكةٌ في مَحبِس، تَندَفِعُ إلى الخارِجِ فلا تَجِدُ إلّا مَنفَذاً ضَيِّقاً، فتَخرُجُ نَبضاً ثُمَّ تُعادُ.

و«الرّاجِفة» و«الواجِفة» تَلتَقيانِ في «ج ف»: اجتِماعٌ يَنفُذُ ولا يَستَقِرّ. الأولى لَم يُسَمَّ لَها مَحَلٌّ في الآيةِ التي ذَكَرَتها، والثّانِيةُ مَحَلُّها مَحدودٌ مَعلوم: قُلوب. الرَّجفةُ تَقَعُ حَيثُ لا يُدرى، والوَجيفُ يُحَسُّ حَيثُ يُدرى: تَحتَ الضِّلع.


حَصيلة

تُقَدِّمُ الآيةُ الوِعاءَ على صاحِبِه: «قُلوبٌ» نَكِرةً بِلا مُضافٍ إليه، وق-ل-ب عُقدةٌ عَميقةٌ تَحوزُ ثُمَّ تَنفَتِحُ فتُخرِج. ثُمَّ «يَومَئِذٍ» حِصّةٌ ذاتُ طَرَفَينِ يَشُدُّها التَّنوينُ إلى الحَدَثِ المَذكورِ قَبلَها. ثُمَّ «واجِفةٌ» تَضَعُ في ذلك المَركَزِ اجتِماعاً مَحبوساً يَنفُذُ نَبضاً بَعدَ نَبض. ثَلاثُ كَلِماتٍ فيها مَوضِعٌ ووَقتٌ وحال، ولا صاحِبَ يُسَمّى. فالخَبَرُ عن قَلبٍ لا عن وَجه، وعن حالٍ لا عن اسم.