النازعات · الآية 9

﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ

«أَبْصَارُهَا»: ضَميرٌ يَرُدُّ العَينَ إلى القَلب

جاءَتِ الكَلِمةُ على غَيرِ ما تَنتَظِرُه الأُذُن، فعُدِلَ عن «أبصارُهُم»، وهي التي تَنتَقِلُ إلى أصحابٍ يُخبَرُ عَنهُم، إلى «أَبْصَارُهَا» بِهاءٍ مُفرَدةٍ مُؤَنَّثة، وأقرَبُ مُؤَنَّثٍ قَبلَها تَعودُ عَلَيه قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾. فالبَصَرُ في هذه الآيةِ مُضافٌ إلى القَلب، لا إلى وَجهٍ ولا إلى اسم.

وبِهذا يَبقى الخَبَرُ حَيثُ وَضَعَته الآيةُ قَبلَها، أي في المَركَزِ دونَ صاحِبِه. والبَصَرُ من ب-ص-ر، وهو إمساكٌ صَلبٌ يَجري فيَربِطُ العَينَ بِما أمامَها، فهو يَدُ القَلبِ المَمدودةُ إلى الخارِج. وما اضطَرَبَ في الجَوفِ لا يَبقى فيه، فهو يَطلُبُ أقرَبَ مَنفَذٍ إلَيه، وأقرَبُ المَنافِذِ إلى ما تَحتَ الضِّلعِ حَدَقةٌ مَفتوحة.

«خَاشِعَةٌ»: هُبوطٌ لا يَقَعُ إلّا على مُرتَفِع

وأصلُ خ-ش-ع تَخَلخُلٌ يَتَفَشّى في الشَّيءِ فيُذهِبُ تَماسُكَه، ثُمَّ قَبضٌ من العُمقِ يَهبِطُ بِه، ومِنه خُشوعُ الأرض، إذ تَسكُنُ وتَيبَسُ بَعدَ أن أثارَتها الرّيح، ومِنه خُفوتُ الأصواتِ بَعدَ صِياح. فالخُشوعُ نُزولٌ يَعقُبُ ارتِفاعاً، وليسَ سُكوناً كانَ من أوَّلِه ساكِناً.

والمَوصوفُ بِهذا النُّزولِ هو آلةُ الإمساكِ نَفسُها، فالبَصَرُ يَربِطُ ويَشُدّ، فإذا خَشَعَ انحَلَّ الرِّباطُ وسَقَط، وبَقِيَتِ العَينُ مَفتوحةً لا تَقبِضُ على شَيء، وأثقَلُ ما يُصيبُ اليَدَ أن تَبقى مَبسوطةً وقد ذَهَبَ عَنها القَبض.

وجاءَت «خَاشِعَةٌ» على وَزنِ ما تَقَدَّمَها: راجِفة، رادِفة، واجِفة، خاشِعة، فهي فاصِلةٌ واحِدةٌ تَمشي بِالخَبَرِ من الأُفُقِ إلى الصَّدرِ إلى المَنفَذ، أوَّلُها اهتِزازٌ لا يُدرى أينَ يَقَع، وآخِرُها انكِسارٌ يُعرَفُ مَوضِعُه بِالإصبَع.


حَصيلة

بَنَت هذه الآيةُ جُملَتَها بِلا فِعل، كَما بَنَتِ التي قَبلَها. و«أَبْصَارُهَا» مُضافةٌ إلى ضَميرٍ مُؤَنَّثٍ أقرَبُ ما أمامَه «قُلوب»، فالعَينُ عَينُ المَركَزِ لا عَينُ صاحِبٍ يُسَمّى، وب-ص-ر إمساكٌ صَلبٌ يَجري فيَربِطُ العَينَ بِما أمامَها. ثُمَّ «خَاشِعَةٌ»، وخ-ش-ع تَخَلخُلٌ يَتَفَشّى ثُمَّ يَنقَبِضُ نازِلاً، فآلةُ القَبضِ هي التي فَقَدَت قَبضَتَها. وهُما كَلِمَتانِ لا أكثَر، وفيهِما تَمامُ الطَّريقِ من الوَجيفِ في الجَوفِ إلى الانحِلالِ في المَنفَذ، إذ ما لا يُمسَكُ في الدّاخِلِ لا تُمسِكُه عَينٌ في الخارِج.