عبس · الآية 16

﴿كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كِرَامٍ بَرَرَةٍ

«كِرَامٍ»: الجِذرُ نَفسُه، والصّيغةُ غَيرُها

الجِذرُ ك-ر-م إمساكٌ خَفيفُ اللَّمسةِ يَصونُ ما يُمسِكُه، ثُمَّ يَخرُجُ المَصونُ مُسترسِلاً، فالكَريمُ ما ضُنَّ بِه ثُمَّ بُذِل، لا ما حُبِسَ فمُنِع، والصَّونُ فيه مُقَدِّمةٌ لِلعَطاءِ لا بَديلٌ عَنه.

وقد مَرَّ هذا الجِذرُ قَبلَ ثَلاثِ آيات: فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾، وهو هُناكَ اسمُ مَفعولٍ من فَعَّل، وهُنا صِفةٌ على فِعال جَمعُ كَريم. والصُّحُفُ وَقَعَ عَلَيها التَّكريمُ من غَيرِها، والحامِلونَ يوصَفونَ بِالكَرَمِ نَعتاً قائِماً بِهِم، فالصِّفةُ هُناكَ تُنال، وهي هُنا تُحمَل.

«بَرَرَةٍ»: اتِّساعٌ يَجري ولا يَنقَطِع

ومادّةُ ب-ر-ر تَمَسُّكٌ يَجري مُسترسِلاً، ثُمَّ يُضاعَفُ الجَريانُ بِتَضعيفِ الرّاءِ فيَتَّسِع. ومِنه «البَرّ»، وهو الأرضُ المُنبَسِطةُ المَفتوحةُ في مُقابِلِ البَحرِ المَحصورِ بَينَ ساحِلَيه، فالبِرُّ سَعةُ الأثَرِ لا صِنفٌ من الأفعالِ يُعَدّ.

و«بَرَرة» جَمعُ بارّ، وهي وَصفٌ لِمَن كانَ فِعلُه واسِعاً مُتَّصِلاً، دونَ فِعلٍ واحِدٍ وَقَعَ مَرّة، والأرضُ المَفتوحةُ يُمشى فيها ولا يُسأَلُ عن حَدِّها.

ثَلاثةٌ على وَزنٍ واحِدٍ، ومِثلُها في آخِرِ السّورة

و«سَفَرة» و«بَرَرة» على وَزنٍ واحِدٍ هو فَعَلة، ووَقَعَتا في مَوضِعِ الفاصِلةِ في آيَتَينِ مُتَجاوِرَتَين، وبَينَهُما «كِرام» على فِعال، فتَقَعُ المُخالَفةُ في الوَسَطِ ثُمَّ يَعودُ الوَزنُ فيُغلِقُ ما فُتِح.

ولم تَدخُلِ الواوُ بَينَ «كِرامٍ» و«بَرَرةٍ»، كَما لم تَدخُلْ بَينَ صِفاتِ الصُّحُفِ قَبلَهُما، فالنُّعوتُ تَتَراكَمُ مَلصوقةً في المَوضِعَين، على مَحمِلٍ أوَّلاً ثُمَّ على حامِل.

ويَعودُ هذا الوَزنُ نَفسُه في خِتامِ السّورة: أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾، فهُناكَ اثنانِ على فَعَلة مُعَرَّفانِ مَقرونانِ بِإشارة، وهُنا اثنانِ نَكِرَتانِ بِلا إشارة، والوَزنُ واحِدٌ في طَرَفَي السّورة، والفَرقُ فيما بَينَ الطَّرَفَين.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تُتِمّانِ وَصفَ الحامِل. فـ«كِرام» من ك-ر-م، وهو صَونٌ خَفيفُ اللَّمسةِ يَنتَهي إلى بَذل، وقد جاءَ الجِذرُ قَبلَ ثَلاثِ آياتٍ اسمَ مَفعولٍ في «مُكَرَّمة»، فالصُّحُفُ نالَتِ التَّكريمَ من غَيرِها، والحامِلونَ يُنعَتونَ بِالكَرَمِ نَعتاً قائِماً بِهِم. و«بَرَرة» من ب-ر-ر، ومَعناه تَمَسُّكٌ يَجري ويُضاعَفُ فيَتَّسِع، ومِنه البَرُّ لِلأرضِ المُنبَسِطةِ في مُقابِلِ البَحرِ المَحصور، فالوَصفُ سَعةُ أثَرٍ لا صِنفُ عَمَلٍ يُعَدّ. و«بَرَرة» على وَزنِ «سَفَرة» في الفاصِلَتَين، و«كِرام» بَينَهُما على وَزنٍ آخَر، ولا واوَ تَفصِلُ بَينَ النُّعوت. ثُمَّ يَعودُ وَزنُ فَعَلة مَرَّتَينِ في خِتامِ السّورةِ مُعَرَّفاً مَقروناً بِإشارة، والأوصافُ تُبنى هُنا كَما تُبنى هُناك، والفارِقُ فيما تُبنى عَلَيه.