الانفطار · الآية 16

﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ

«وَمَا هُمْ … بِغَائِبِينَ»: نَفيٌ يُضاعَفُ كَما ضوعِفَ الإثبات

في هذا المَقطَعِ تَوكيدانِ في كُلِّ إثبات: «وَإِنَّ … لَحَافِظِينَ»، «إِنَّ … لَفِي نَعِيمٍ»، «وَإِنَّ … لَفِي جَحِيمٍ». وهُنا يَجيءُ النَّفيُ على المِنوالِ نَفسِه: «مَا» تَنفي، ثُمَّ باءٌ تَدخُلُ على الخَبَرِ فتَشُدُّ النَّفيَ شَدّاً ثانِياً.

فالسورةُ لا تُثبِتُ مَرَّتَينِ وتَنفي مَرّة. ما بُنِيَ بِتَوكيدَينِ يُقفَلُ عَلَيه بِنَفيَين.

والجُملةُ اسمِيّةٌ كَجُملةِ الحافِظين. لا فِعلَ فيها يَبدَأُ ويَنتَهي، فلَيسَ المَنفيُّ حَدَثاً قَد يَقَعُ مَرّةً ولا يَقَع. المَنفيُّ صِفةٌ عَنهُم في حالِهِم.

«عَنْهَا»: حَرفُ المُجاوَزةِ يُذكَرُ لِيُنفى

«عَن» حَرفُ التَّجاوُز. ما جاءَت مَعه فُهِمَ أنَّه تُرِكَ خَلفَ ظَهرِ صاحِبِه. وهي هُنا الحَرفُ الوَحيدُ الذي يَحمِلُ رائِحةَ المَخرَج.

ثُمَّ يُنفى ما بَعدَها. فيَبقى الحَرفُ في الجُملةِ ولا يَبقى مَعناه: يُسمَعُ التَّجاوُزُ ويُقالُ إنَّه لم يَقَع. وهذا أشَدُّ من أن تُغلَقَ الجُملةُ بِلا ذِكرٍ لِلمَخرَجِ أصلاً.

والهاءُ في «عَنْهَا» تَعودُ إلى ما في الآيةِ قَبلَها. فالمَنفيُّ غِيابٌ عن شَيءٍ بِعَينِه لا غِيابٌ مُطلَق.

«بِغَائِبِينَ»: باطِنٌ يَمتَدُّ في خَفاءٍ يَحمِلُ إمكانَ البُروز

الجِذرُ غ-ي-ب غَورٌ يَستُرُ ولا يَقطَع، يَمتَدُّ في خَفاءٍ ثُمَّ يُفتَحُ على إمكانِ الخُروج. فالغائِبُ لَيسَ المَعدوم. الغائِبُ مَوجودٌ له باطِنٌ يَنسَحِبُ إلَيه.

ونَفيُ الغِيابِ لَيسَ إذاً إثباتَ حُضورٍ فَحَسب. هو نَزعُ الباطِنِ الذي يُنسَحَبُ إلَيه. ما نُفِيَ عَنهُم هو المَكانُ الذي كانوا يَستَخفونَ فيه.

ويَتِمُّ بِهذا ما بَدَأَ في الاسمِ قَبلَه. الفُجورُ في حُروفِه شَقُّ حاجِزٍ يُخرِجُ ما كانَ مَحبوساً في الجَوف. فمَن أخرَجَ ما في جَوفِه لم يَبقَ له جَوفٌ يَغيبُ فيه. الجِذرانِ يَلتَقِيانِ في الباطِن: أحَدُهُما يَشُقُّه، والآخَرُ يُنفى عَنه.


حَصيلة

يَجري النَّفيُ على مِنوالِ الإثباتِ في هذا المَقطَع: «مَا» ثُمَّ باءٌ تَدخُلُ على الخَبَر، نَفيانِ بِإزاءِ التَّوكيدَينِ في الآياتِ قَبلَها، وجُملةٌ اسمِيّةٌ تَنفي صِفةً لا حَدَثاً. ثُمَّ يُذكَرُ حَرفُ المُجاوَزةِ «عَن»، وهو الحَرفُ الوَحيدُ في الجُملةِ الذي يَحمِلُ رائِحةَ مَخرَج، فيُذكَرُ ثُمَّ يُنفى ما بَعدَه. والجِذرُ غ-ي-ب غَورٌ يَستُرُ ويَمتَدُّ في خَفاءٍ ثُمَّ يَنفَتِحُ على إمكانِ البُروز، فالغائِبُ مَوجودٌ له باطِنٌ يَنسَحِبُ إلَيه. ونَفيُ الغِيابِ نَزعٌ لِهذا الباطِنِ نَفسِه. ويَلتَقي الجِذرُ بِما قَبلَه: الفُجورُ شَقُّ حاجِزٍ يُخرِجُ ما كانَ مَحبوساً في الجَوف. مَن أفرَغَ جَوفَه لم يَبقَ له جَوفٌ يَغيبُ فيه.