الانفطار · الآية 17

﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ

«وَمَا أَدْرَاكَ»: دُنُوٌّ لا يَقبِض، ثُمَّ يُنفى الدُّنُوُّ نَفسُه

الجِذرُ د-ر-ي دَفعٌ يَنطَلِقُ من ثَباتٍ ثُمَّ يَجري مُلامِساً ولا يُطبِقُ على ما جَرى إلَيه. ومنه المُداراةُ لِمَن ساوَقَ النّاسَ ولم يُماسِكْهُم، والمِدراةُ لِما يُفَرَّقُ بِه الشَّعرُ فيَنفُذُ خِلالَه ولا يُمسِكُه.

فالدِّرايةُ في حُروفِها لَيسَت قَبضاً. هي طَريقُ الاقتِرابِ نَفسُها: يَدنو الطّالِبُ ويُلامِسُ ولا يُغلِقُ يَدَه. ولَو أُثبِتَت هُنا لَما أعطَت أكثَرَ من مَسٍّ.

ثُمَّ تَدخُلُ «مَا» فتَنفي حَتّى هذا. لَيسَ في السُّؤالِ أنَّكَ لم تُحِطْ، بَل أنَّكَ لم تَدنُ. وأَفعَلَ في «أَدْرَاكَ» تَنقُلُ الدُّنُوَّ إلى مَن يَجعَلُه: أيُّ شَيءٍ أدناكَ مِنه حَتّى تَعرِفَه. ولا شَيء.

«مَا يَوْمُ الدِّينِ»: الكَلِمةُ تَنتَقِلُ من حاشِيَةِ الجُملةِ إلى صَدرِها

في الآيةِ قَبلَ آيَتَينِ كانَ «يَوْمَ» مَنصوباً على الظَّرف: وِعاءٌ يَقَعُ فيه الفِعلُ ولا يُتَحَدَّثُ عَنه. وهُنا «يَوْمُ» مَرفوعٌ مُبتَدَأ. الكَلِمةُ نَفسُها تَحَرَّكَت من طَرَفِ الجُملةِ إلى وَسَطِها.

وهذا هو التَّصعيدُ في السورة. لم تَزِدْ كَلِمةٌ ولم يُوصَفِ اليَومُ بِشَيء. الذي تَغَيَّرَ هو المَوقِعُ الإعرابيّ، وهو وَحدَه يَحمِلُ الحَرَكة.

و«مَا» الثانِيةُ استِفهامٌ عن الحَقيقة. سُئِلَ عن ماهِيَّةِ اليَومِ لا عن وَقتِه. ولَو سُئِلَ «مَتى» لَكانَ الجَوابُ عَدَداً، فأمّا «مَا» فلا يُجيبُها إلّا ما يَكشِفُ الكُنه.

«أَدْرَاكَ»: الكافُ المُفرَدةُ تَعودُ إلى مَن سُئِلَ من قَبل

الخِطابُ في هذا المَقطَعِ كانَ جَمعاً: «تُكَذِّبُونَ»، «عَلَيْكُمْ»، «تَفْعَلُونَ». ثُمَّ غابَ المُخاطَبُ في أربَعِ آياتٍ وحَلَّ مَحَلَّه غائِبٌ يُوصَف. وهُنا تَعودُ كافٌ واحِدةٌ مُفرَدة.

وهذه الكافُ لَيسَت جَديدة. هي كافُ صَدرِ السورة: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾. سُئِلَ ذلك المُفرَدُ «مَا غَرَّكَ»، ويُسأَلُ الآنَ «مَا أَدْرَاكَ». سُؤالانِ يَبدَآنِ بِـ«مَا» ويَقَعانِ على واحِد.

وبَينَ السُّؤالَينِ مَسافةُ السورة. الأوَّلُ يَسأَلُ عن سَبَبِ اطمِئنانِك، والثاني يَسأَلُ عن مَصدَرِ عِلمِك. مَن غَرَّه شَيءٌ يُسأَلُ بَعدَه: وما الذي أدناكَ من اليَومِ الذي أمِنتَه.


حَصيلة

يُسأَلُ سُؤالٌ لا يُنتَظَرُ له جَواب، ويُبنى على جِذرٍ لا يَقبِض: د-ر-ي دَفعٌ يَنطَلِقُ من ثَباتٍ ثُمَّ يَجري مُلامِساً ولا يُطبِقُ، ومنه المُداراةُ والمِدراة. فلَو أُثبِتَ لَما أعطى أكثَرَ من مَسّ، ثُمَّ نُفِيَ المَسُّ نَفسُه بِـ«مَا»، وأَفعَلَ تَنقُلُ الدُّنُوَّ إلى مُدنٍ لم يُوجَد. ثُمَّ يَتَحَرَّكُ «يَوْمَ» من النَّصبِ على الظَّرفِ في الآيةِ الخامِسةَ عَشرةَ إلى الرَّفعِ على الابتِداءِ هُنا: انتَقَلَتِ الكَلِمةُ من حاشِيَةِ الجُملةِ إلى صَدرِها من غَيرِ أن تُزادَ كَلِمة، والمَوقِعُ وَحدَه يَحمِلُ التَّصعيد. و«مَا» الثانِيةُ سُؤالٌ عن الكُنهِ لا عن الوَقت. وتَعودُ الكافُ المُفرَدةُ التي سُئِلَت في صَدرِ السورةِ «مَا غَرَّكَ»: سُئِلَ عن سَبَبِ أمنِه أوَّلاً، ويُسأَلُ عن مَصدَرِ عِلمِه آخِراً.