الانفطار · الآية 8

﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ

«فِي أَيِّ صُورَةٍ»: حَدٌّ يُطبِقُ على الشَّيءِ فيُمَيِّزُه

والصّورةُ من ص-و-ر، وأصلُه حَدٌّ صُلبٌ يُطبِقُ على ما يَجري فيه فيُمسِكُه على هَيئةٍ تَخُصُّه، فهي هَيئةٌ تَحُدُّ الشَّيءَ من خارِجِه فيُعرَفُ بِها ويَنفَصِلُ عن غَيرِه، وهي الحَدُّ الذي يَجعَلُه هو، لا زينةٌ تُضافُ إلَيه.

وجاءَت نَكِرةً بَعدَ «أَيِّ»، فلم تُعَيَّنْ ولم تُفَضَّلْ واحِدةٌ على أُخرى، والكَلامُ يَفتَحُ المَدى كُلَّه ولا يُسَمّي فيه هَيئةً بِعَينِها، فلا يَبقى لِأحَدٍ في اللَّفظِ ما يَحتَجُّ بِه على أحَد.

وقُدِّمَ الظَّرفُ على الفِعل، وعُدِلَ عن «رَكَّبَكَ في أَيِّ صُورَةٍ شاء» إلى البَدءِ بِالمَدى والخَتمِ بِالفِعل، فيُفتَحُ الإطارُ أوَّلاً واسِعاً، ثُمَّ يُغلَقُ على واحِدٍ يَسمَع.

«مَّا شَاءَ»: تَحديدُ طَرَفٍ من بَينِ ما انتَشَر

والمَشيئةُ من ش-ي-أ، ومَعناه انتِشارٌ سارٍ يَستَقِرُّ في طَرَفٍ مُحَدَّدٍ مُؤَكَّد، أي تَحديدٌ واحِدٌ يُقطَعُ من بَينِ ما انبَسَط، فالمَشيئةُ في الكَلِمةِ اقتِطاعُ واحِدٍ من كَثير، وليسَت رَغبةً تُشتَهى.

ولِذلك تَلزَمُ «أَيِّ صُورَةٍ» مَشيئةً، فالمَدى لا يُغلَقُ إلّا بِاختِيار، وقد فُتِحَ الاحتِمالُ في أوَّلِ الآيةِ، ثُمَّ جاءَتِ الكَلِمةُ التي تَقطَعُ مِنه طَرَفاً واحِداً.

والفاعِلُ في «شَاءَ» غَيرُ المُخاطَب، ولم يَأتِ «ما شِئتَ»، فالهَيئةُ التي يَقِفُ فيها السّائِلُ وهو يَسأَلُ لم تَكُنْ من قِسمَتِه، وهذا يَرُدُّ السُّؤالَ في مَا غَرَّكَ﴾ إلى مَوضِعِه، إذ الذي انزَلَقَ يَقِفُ في صورةٍ اختارَها لَه غَيرُه.

«رَكَّبَكَ»: أجزاءٌ تُحمَلُ بَعضُها على بَعضٍ فتَلتَحِم

والتَّركيبُ من ر-ك-ب، وفيه جَريانٌ يَغورُ في غَيرِه فيُداخِلُه ثُمَّ يَلتَصِقُ بِما تَحتَه، أي اعتِلاءٌ يَلتَحِمُ بِالمَركوبِ فيَحمِلُه ويَمضي بِه، فالتَّركيبُ وَضعُ شَيءٍ على شَيءٍ حتّى يَصيرا واحِداً يَمضي.

وجاءَ على «فَعَّلَ»، فهو ضَمٌّ بَعدَ ضَمٍّ حتّى يَتِمَّ المُرَكَّب، وليسَ ضَمَّ جُزءٍ إلى جُزء. وما رُكِّبَ فلَه أجزاء، وما لَه أجزاءٌ قائِمٌ بِما يُمسِكُها.

وبِهذا تَتِمُّ أربَعةُ أفعالٍ مُتَّصِلةٍ بِكافٍ واحِدة: خَلَقَكَ﴾ وفَسَوَّاكَ﴾ وفَعَدَلَكَ﴾ و«رَكَّبَكَ»، وهي أربَعُ حَرَكاتٍ لا يُذكَرُ لَها مَفعولٌ سِوى المُخاطَب، سَبَقَتْها أربَعةُ مَشاهِدَ لا يُذكَرُ لَها فاعِلٌ أصلاً.


حَصيلة

«فِي أَيِّ صُورَةٍ» من ص-و-ر، وهو حَدٌّ صُلبٌ يُطبِقُ على ما يَجري فيه فيُمسِكُه على هَيئةٍ تَخُصُّه، فالصّورةُ حَدٌّ يُمَيِّزُ لا زينةٌ تُضاف، وقد جاءَت نَكِرةً بَعدَ «أَيِّ» فلم تُفَضَّلْ هَيئةٌ على هَيئة، وقُدِّمَ الظَّرفُ فَفُتِحَ المَدى قَبلَ أن يُغلَقَ الفِعل. و«مَّا شَاءَ» من ش-ي-أ، أي انتِشارٌ سارٍ يَستَقِرُّ في طَرَفٍ مُؤَكَّد، فالمَشيئةُ اقتِطاعُ واحِدٍ من كَثير، والفاعِلُ فيها غَيرُ المُخاطَب. و«رَكَّبَكَ» من ر-ك-ب، ومَعناه اعتِلاءٌ يَلتَحِمُ فيَحمِلُ ويَمضي، وبِناؤُه على «فَعَّلَ» ضَمّاً بَعدَ ضَمّ. وبِذلك يَتِمُّ في الآيَتَينِ أربَعةُ أفعالٍ لا مَفعولَ لَها إلّا كافُ المُخاطَب، بَعدَ أربَعةِ مَشاهِدَ لا فاعِلَ لَها في اللَّفظ، والذي سُئِلَ عَمّا انزَلَقَ عَلَيه يَقِفُ وهو يَسأَلُ في هَيئةٍ لم يَختَرْها.