الانفطار · الآية 9

﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ

«كَلَّا بَلْ»: رَدعٌ ثُمَّ إضراب

أداتانِ تَتَتابَعانِ في صَدرِ الآية: «كَلَّا» تَقطَعُ ما قَبلَها وتَرُدُّ السّامِعَ عن مَوقِفِه، و«بَلْ» تُضرِبُ عن الأوَّلِ إلى ما هو الحاصِلُ في الأمر، فالأُولى تَمنَع، والثانِيَةُ تَنقُل.

ولَم يَكُنِ المَسؤولُ قد أجاب، فقد فُتِحَ لَه مَوضِعُ الجَوابِ في مَا غَرَّكَ﴾، ثُمَّ وُصِفَ لَه صُنعُه في آيَتَين، ثُمَّ جاءَ الرَّدعُ قَبلَ أن يَنطِق، فالمَردودُ هو المَوقِفُ الذي يُجابُ مِنه، وليسَ جَواباً بِعَينِه.

«تُكَذِّبُونَ»: من الواحِدِ إلى الجَماعة

ومَضَت أربَعةُ أفعالِ الصُّنعِ كُلُّها على كافٍ واحِدة، ثُمَّ يَنقَلِبُ الضَّميرُ في هذا الفِعلِ إلى واوِ الجَماعة، فالصُّنعُ خوطِبَ بِه واحِد، والتَّكذيبُ يُنسَبُ إلى جَمع.

ولِلانتِقالِ مَعنىً يُقرَأُ من مَوضِعِه، فما مَضى لا يَقَعُ إلّا فَرداً فَرداً، إذ لا يُخلَقُ أحَدٌ في جُملةٍ ولا يُرَكَّبُ في صَفّ، وما يَجيءُ يَجري في الجَماعةِ ويَتَقَوّى بِها، فالمَرءُ يُصنَعُ وَحدَه، ويُكَذِّبُ مَعَ النّاس.

والكَذِبُ من ك-ذ-ب: كَتمٌ حادٌّ ثُمَّ تَمَسُّكٌ بِما كُتِم، فهو تَقديمُ نُسخةٍ مَكتومةٍ في مَوضِعِ الأصل، زِيادةً على الإخفاء. وجاءَ على «فَعَّلَ» مُضارِعاً، والتَّكذيبُ نِسبةُ الكَذِبِ إلى الشَّيء، والمُضارِعُ يَدُلُّ على فِعلٍ مُستَمِرٍّ لا على لَحظةٍ واحِدة.

«بِالدِّينِ»: ضَبطٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَنبَعِثُ راجِعاً

وتَعَدّى الفِعلُ بِالباء، وعُدِلَ عن تَعدِيَتِه بِنَفسِه في «تُكَذِّبونَ الدِّينَ»، والباءُ تُلصِقُ الفِعلَ بِمَحَلِّه، فالتَّكذيبُ مُتَعَلِّقٌ بِه مَشدودٌ إلَيه، غَيرُ مارٍّ عَلَيه.

والدّينُ من د-ي-ن، ومادَّتُه ضَبطٌ يَثبُتُ ثُمَّ يَمتَدُّ بِلينٍ ثُمَّ يَنبَعِث، ومِنه «الدَّينُ» لِما يَثبُتُ في الذِّمّةِ ويَمتَدُّ حتّى يُستَرَدّ، و«دانَ» بِمَعنى ألزَمَ وحاسَب، فالدِّينُ ثَلاثةُ مَعانٍ مَوصولة: ما يُلزَم، وما يُحاسَبُ عَلَيه، وما يُجزى بِه.

وجاءَ هُنا مُعَرَّفاً مُطلَقاً بِلا إضافةٍ إلى يَوم، وسَيَجيءُ في السّورةِ نَفسِها مُضافاً: يَوْمُ الدِّينِ﴾، فالمُكَذَّبُ بِه هُنا القَوسُ كُلُّها، أي أن يَكونَ ثَمَّ ما يُلزِم، وأن يَكونَ لِما جَرى رُجوع، وليسَ مَوعِداً يُنكَرُ وَقتُه. ومَن أنكَرَ الرُّجوعَ فقد أنكَرَ أنَّ لِما قَدَّمَ وأخَّرَ مَوضِعاً يُنتَظَرُ فيه.


حَصيلة

في صَدرِ الآيةِ أداتان: «كَلَّا» تَقطَعُ وتَرُدّ، و«بَلْ» تُضرِبُ إلى ما هو الحاصِل، والرَّدعُ يَقَعُ قَبلَ أن يَنطِقَ المَسؤولُ بِجَواب، فالمَردودُ مَوقِفُه لا كَلامُه. ثُمَّ يَنقَلِبُ الضَّميرُ من كافِ الواحِدِ إلى واوِ الجَماعة، فيُصنَعُ المَرءُ فَرداً ويُكَذِّبُ مَعَ النّاس. و«تُكَذِّبُونَ» من ك-ذ-ب، أي كَتمٌ حادٌّ ثُمَّ تَمَسُّكٌ بِما كُتِم، وهو تَقديمُ نُسخةٍ مَكتومةٍ في مَوضِعِ الأصل، وصيغَتُه «فَعَّلَ» مُضارِعاً يَدُلُّ على الاستِمرار، وعُدِّيَ بِالباءِ فأُلصِقَ الفِعلُ بِمَحَلِّه. و«بِالدِّينِ» من د-ي-ن، ومَعناه ضَبطٌ يَثبُتُ ويَمتَدُّ ثُمَّ يَنبَعِثُ راجِعاً، فهو ما يُلزَم، وما يُحاسَبُ عَلَيه، وما يُجزى بِه، وقد جاءَ مُطلَقاً بِلا إضافةٍ إلى يَوم، فالمُنكَرُ القَوسُ نَفسُها لا مَوعِدُها، ومَن رَدَّ الرُّجوعَ فقد رَدَّ أن يَكونَ لِما قَدَّمَ وأخَّرَ مَوضِعٌ يَنتَظِرُه فيه.