البينة · الآية 2

﴿رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً

«رَسولٌ»: السَّيلُ الذي يَجري بِأمرِ غَيرِه

واختيارُ «رَسولٌ» نَكِرةً قبل تَعريفِه بـ«من الله» اختيارٌ مَقصود، فلو قِيلَ «الرَّسولُ من الله» لَكانَ الإخبارُ تَعريفاً بمَعروف، أمّا «رَسولٌ من الله» فَإعلانُ نَوعٍ قَبلَ تَعيينِ شَخص، أي نَوعٍ من الإرسالِ يَأتي مِن مَصدَرٍ بِعَينه، فيَسمَعُ القارئُ الصِّفةَ قَبلَ أن يَتَعَيَّن له المُسَمّى.

والجَذرُ ر-س-ل في اللسانِ يُغذّي ثَلاثَ كَلِمات: الرِّسلَ (اللَّبَنَ الجاري)، والرَّسولَ (الحامِلَ السائر)، والرِّسالةَ (المَحمولَ نَفسَهوكلُّها سُيولةٌ تَنطَلِقُ من مَصدَرٍ إلى مُستَقبِل. والرَّسولُ في هذه السورةِ يَجري بسُيولةِ ما أُرسِلَ به، دونَ ثِقَلِ نَفسِه.

«يَتلو»: التِّلاوةُ لَحاقٌ لا اختِراع

والفِعلُ المُضارعُ «يَتلو» يُصَوِّرُ فِعلاً مُتَجَدِّداً، وقد أوثِرَ على «تَلا» في الماضي، و«سَيَتلو» في المُستَقبَل، فهو يَتلو الآن، في حضرةِ السامِع، وكلَّما فُتِحَتِ الصُّحُفُ عادَ الجَريان.

وفي البَقَرة وَصفٌ لِأهلِ الكتابِ كَما يَنبَغي أن يَكونوا: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، والتِّلاوةُ بحَقِّها لَحاقٌ تامّ، لا يَسبِقُ الكَلِمَةَ بفَهمٍ مُسبَق، ولا يَتَأخَّرُ عَنها بإهمال. والآيةُ هنا تَصِفُ هذا اللَّحاقَ في صورتِه الكامِلة: رَسولٌ يَتلو ما عَلَيه أن يَتلوَه، فلا يَزيدُ ولا يَنقُص.

«صُحُفاً مُطَهَّرة»: السَّطحُ الذي يَحمِلُ الكَلِمَةَ نَقيّاً

و«الصُّحُف» جَمعُ صَحيفة، وهي السَّطحُ المُمتَدُّ الذي يُكتَبُ عليه. والإسلامُ عَرَفَ كِتابَه أوّلَ ما عَرَفَه صَحيفةً صَحيفةً تُتلى، ولم يَعرِفْه صُحُفاً مَجموعة، والتَّكثيرُ في «صُحُفاً» يَنفي صورةَ الكِتابِ المَختومِ في غِلاف، فالكَلِمةُ تَأتي على دَفَعات.

و«مُطَهَّرة» اسمُ مَفعولٍ من «طَهَّرَ» المَزيد، لا من «طَهُرَ» المُجَرَّد، فالذي طَهَّرَها فاعِلٌ خارِجَ الصَّحيفة، وهي لم تَطهُر من نَفسِها. والصَّحيفةُ سَطحٌ مَكشوف، يُمكِنُ أن يَختَلِطَ به ما لا يَنبَغي، ومَعنى أن تَكونَ مُطَهَّرَةً أنَّ يَداً قَد رَفَعَت عَنها كلَّ ما لا يَنبَغي، فالكَلِمةُ المَكتوبةُ ها هنا لا تَختَلِطُ بكَلِمَةِ غَيرِها.

ويَفهَمُ القارئُ مِنها أنَّ ما يُتلى عَلَيه خالِصٌ غَيرُ مَمزوج، فليس صَحيفةَ نَبيٍّ سابِقٍ تَداخَلَت فيها أَيدٍ، ولا صَحيفةَ شاعِرٍ تَختَلِطُ فيها رؤياه، وإنَّما هو صُحُفٌ مُطَهَّرَة، أوّلاً وقَبلَ كلِّ شيء.


حَصيلة

تُوصَفُ البَيِّنَةُ التي ذُكِرَت في الآيةِ السابِقةِ الآن في ثَلاثةِ عَناصِر. فـ«رَسولٌ» (ر-س-ل) نَكِرَةٌ مَقصودَة قَبلَ التَّعريف بـ«من الله»، وهي نَوعٌ من الإرسالِ يَأتي من مَصدَرٍ بِعَيْنِه، والجَذرُ في أَصلِه سُيولةٌ تَنطَلِق من مَصدَرٍ إلى مُستَقبِل، والرَّسولُ لا يَأتي من نَفسِه. و«يَتلو» (ت-ل-و): التِّلاوةُ لِحاقٌ لا اختِراع، والرَّسولُ يَتبَعُ ما أُنزِلَ عَلَيه فَيُجريه على لِسانِه. و«صُحُفاً مُطَهَّرةً» (ط-ه-ر): السَّطحُ الحامِلُ للكَلِماتِ مُطَهَّرٌ قَبلَ أن يُقالَ «قَيِّمة» (سَيَأتي في الآيةِ التالية)، فالطُّهرُ يَسبِقُ القِوام. وهذه ثَلاثُ شَهاداتِ سَلامَةٍ في الحامِلِ وَالفِعلِ وَالسَّطح، والبَيِّنةُ فيها صورَةٌ، وليسَت فِكرة.