البينة · الآية 1

﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ

«مُنفَكِّين»: العالَمُ في وَضعِ السُّكون قبل الإشارة

الجذرُ ف-ك-ك يَدورُ على الانفِصالِ بعد التَّماسُك، ومنه فَكُّ القَيدِ، وفَكُّ الرَّهنِ، وفَكُّ ما عُقِد. ووَزنُ «انفَعَل» يُحَوِّلُ هذا الفَكَّ من فِعلٍ يَقَعُ على الشيءِ إلى حالةٍ يَكونُ عليها الشيءُ نَفسُه، وهي أن يَنفَكَّ من نَفسِه، فـ«مُنفَكّين» مَن يَتَحَلَّلون من حالٍ كانوا فيها.

والآيةُ تَنفي عنهم هذا الانحِلال، فلم يَكونوا في طَريقِ الخُروج، وكانوا في حالٍ لاصِقَة. وصورةُ القومِ هنا صورةُ ماءٍ راكدٍ لا يَتَحَرَّكُ من تِلقاءِ نَفسِه، فلا الكِتابُ في يَدِ مَن أُوتيَه دَفَعَه، ولا غِيابُ الكِتابِ عند المُشرِكين دَفَعَهم، وكِلاهُما باقٍ في حالِه.

وهذا التَّشخيصُ يُذَكِّرُ بقولِ البَقَرة عن أهلِ الكتاب: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، والتَّركيبُ هو التَّركيب: الذين كَفَروا من أهلِ الكتاب، وكأنّ السورتَين تَتَكلَّمانِ عن قَومٍ واحد، يَحوزُ في يَدِه الكتابَ ولا يَستَيقِظ.

«حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ»: ما يَكسِرُ السُّكون

و«حَتّى» في العربيّةِ غايةٌ يَنتَهي عِندَها ما قَبلَها، فالسكونُ الذي وُصِفوا به لا يَدومُ بإطلاق، وهو ساكنٌ إلى أن يَأتي شيء. ثمّ سُمِّيَ ذلك الشيءُ: البَيِّنَة، اسماً مُعَرَّفاً بأل، فهي البَيِّنةُ التي يَنتَظِرُها وَزنُ النصِّ كلِّه، دونَ بَيِّنةٍ ما.

وفي جَذرِها (ب-ي-ن) ظُهورٌ يَنفُذ، فهو ظُهورٌ يَخترِقُ السَّطحَ ويَصلُ إلى ما تَحتَه، ولا يَنحَصِرُ في كَلامٍ يَصِلُ إلى الأُذُن. ومِن هنا اختيارُ الكلمة، فما يَفُكُّ الراكِدَ ظُهورٌ يَنفُذُ في عُمقٍ لم يُنفَذ، وليس تَنبيهاً جَديداً يَزيدُ على ما عِندَه.

والآيةُ التاليةُ ستُسمّيها: رَسولٌ يَتلو صُحُفاً مُطَهَّرة، أمّا الآيةُ الأولى فتَكتفي بالاسم، وكأنّها تُقَرِّرُ أنَّ ما يَكسرُ هذا السُّكونَ مَوجود، وأنَّ له اسماً يَعرفُه السامِع، وأنَّ المَطلوبَ الانتِظار.

والقارئُ يَخرجُ من هذه الآيةِ بسؤالٍ يَلزَمُه، ولا يَخرُجُ بحُكمٍ على قَومٍ بَعيد: هل هو مُنفَكٌّ، أم في حال؟ وإن كانَ في حال، فما البَيِّنةُ التي يَنتَظِرُ أن تَأتيَه؟ ولعَلَّها قد جاءَت ولم يَفُكّ.


حَصيلة

بصورةِ ساكنٍ لا يَتَحَرَّكُ تُفتَتَحُ السورة: «لَم يَكُن... مُنفَكّين»، وهو نَفيُ الانفِكاكِ في الماضي المُستَمرّ. و«مُنفَكِّين» (ف-ك-ك) على وَزنِ انفَعَل حالةٌ يَكونُها الشيءُ بِنَفسِه، أي التَّحَلُّلُ من حالٍ كانَت ملصوقةً، والآيةُ تَنفيها، فلم يَكونوا في طَريقِ الخُروج. وهُم صِنفانِ لا واحِد: «أَهلُ الكِتاب» الذينَ يَحوزون كِتاباً ولا يَنفَكُّون، والمُشرِكونَ الذين لا كِتابَ عِندَهم ولا يَنفَكُّون. و«الكُفر» (ك-ف-ر) في جَذرِه تَغطيَة، وحَوزُ الكِتابِ لا يَرفَعُ التَّغطيةَ إن لم تَنفَتِح. ثمّ جاءَت «حَتّى» غايَةً تَنتَظِرُ شيئاً خارجَ المَشهَدِ سَيَدخُلُ ويَكسِرُ السُّكون، وذلك الشيءُ «البَيِّنة» (ب-ي-ن)، وهي ظُهورٌ يَنفُذُ لا يَحتَمِلُ الإنكار. فالجمودُ هو القاعِدَة، وما يَكسِرُه يَأتي من خارِج.