البينة · الآية 4

﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ

«تَفَرَّقوا»: الفُرقَةُ بَعدَ الكَشفِ لا قَبلَه

لَو قِيلَ «وما تَفَرَّقَ الذينَ أُوتوا الكتابَ قَبلَ أن جاءَتهُمُ البَيِّنة» لَكانَ المَعنى أنَّهم كانوا مُتَّحِدينَ فَتَفَرَّقوا. والآيَةُ تَقولُ عَكسَ ذلك، فهُم لم يَتَفَرَّقوا إلّا بَعدَ أن جاءَتهم، ولم يَكونوا مُتَّحِدينَ قَبلَ البَيِّنة. وكانوا في الحالِ التي ذَكَرَتها الآيَةُ الأُولى بِقَولِها «مُنفَكّين»، أي ما كانوا مُنفَكّين، والمُرادُ أنَّهم راكِدونَ في حالِهم، ولم يَكُنْ فِراقٌ ولا اتِّحاد، وكانَ السُّكونُ هو كُلَّ شَيء.

والبَيِّنةُ كَسَرَت السُّكون، فَخَرَجَ بَعضُهم إلى الإقرار، وبَعضُهم إلى الإنكار، وهذا التَّخارُجُ نَفسُه هو المُرادُ بِـ«تَفَرَّقَ». والتَّفَرُّقُ هُنا تَفَرُّقُ مَن أَجابَ عَمَّن لَم يُجِب، دونَ تَفَرُّقٍ بَينَ مُؤمِنٍ ومُؤمِن، والمَواقِفُ التي ما كانَت لِتَظهَرَ لَولا الكَشفُ ظَهَرَت بِه.

«أُوتوا الكتاب»: مَوضِعُ المُتَلَقّي

وصيغةُ المَجهولِ «أُوتوا» تَضَعُ حَوزَ الكتابِ في يَدِ مَن أُعطيَه، دونَ مَن اكتَسَبَه، والإيتاءُ مَنحٌ غَيرُ تَمَلُّك، فالكِتابُ في يَدِ صاحِبِه أَمانَةٌ، وليسَ حَقّاً مُكتَسَباً. ولذلك إذا جاءَتِ البَيِّنةُ كَشَفَت مَن أَدّى الأَمانَةَ ومَن أَمسَكَها لِنَفسِه.

وفي البَقَرة: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، والمَعرِفةُ فيها قائِمَة، ومَوضِعُ القَدحِ ما يَلي ذلك: وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، وليسَ عَدَمَ الإدراك. والتَّفَرُّقُ هنا ابنُ ذلك الكِتمان: مَن كانَ يَعرِفُ ولا يَنطِقُ خَرَجَ، حينَ جاءَتِ البَيِّنةُ صاهِرَةً، في صَفٍّ غَيرِ صَفِّ الذينَ نَطَقوا.

المُفارَقَة: ما يُتوَقَّعُ أن يُوَحِّدَ يَفصِل

والكَشفُ في قاعِدتِه العَميقةِ فاصِلٌ غَيرُ جامِع، يَظهَرُ وَزنُ القَلبِ تَحتَ نُورِه، ويَنكَشِفُ ما كانَ يَستَتِرُ في السَّكينة. ومَن كانَ يَأمَلُ أن يَأتيَه الحَقُّ في صورةٍ تُعفيه من الاختيار يَجِدُه في صورةٍ تَستَخرِجُه إلى الاختيار.

وهَذا قانونٌ في الكتابِ كلِّه: كلُّ بَيِّنةٍ تَفصِل، وكلُّ آيَةٍ تَفرُز، وفَرزُها بِما هي عَلَيه دونَ العُنف، وما هي عَلَيه ظُهورٌ يَنفُذ، ولا يَلقاه القَلبُ المُغَطّى إلّا بأَحَدِ مَوقِفَين: إقرارٍ أو نُكوص.

والآيةُ تَختِمُ بِما لا تُصَرِّحُ به، وهو أنَّ الذَّنبَ في القَلبِ الذي يَستَقبِلُ البَيِّنة، لا فيها، وأنَّ ما لا يَجمَعُه النّورُ لا يَجمَعُه شَيء.


حَصيلة

تَنقَلِبُ الآيةُ على ما تَوقَّعَه القارئ، فقد كانَ يَنتَظِرُ أن يُقالَ: لَمّا جاءَتهُمُ البَيِّنَةُ اجتَمَعوا، فجاءَ الجَوابُ مُعاكِساً: تَفَرَّقوا. و«أُوتوا الكِتاب» صيغَةُ مَفعول، فهُم أُعطوا الكِتابَ ولَم يَكتَسِبوه، وهُم في مَوضِعِ المُتَلَقّي. و«تَفَرَّقَ» (ف-ر-ق) على وَزنِ تَفَعَّلَ يُفيدُ التَّكَلُّفَ في الفِعل، فهو تَفَرُّقٌ مَقصودٌ بِخِيار، غَيرُ عَفويٍّ عن غَفلَة. وفي «إلّا مِن بَعدِ ما جاءَتهُمُ البَيِّنة» (ب-ي-ن) يُحَدِّدُ الاستِثناءُ التَّوقيتَ ويَقلِبُ المَنطِقَ المُتَوَقَّع، وقد كانَ يَنبَغي لِلبَيِّنَةِ أن تُوَحِّدَهُم، غَيرَ أنَّها فَكَّتهُم إلى صُفوفٍ مُتَقابِلَة، والكَشفُ يَفصِل، وقد خَرَجَت بِالبَيِّنَةِ المَواقِفُ التي كانَت مَستورَةً في حالِ الجُمود.