الزلزلة · الآية 7

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ

«مِثقالَ ذَرَّة»: المِيزانُ الذي لا يَفلِتُ منه شَيء

«مِثقال» على وَزنِ مِفعال: آلةُ الفِعل. آلةُ الثِّقل، أي ما يُوزَنُ به. والذَّرَّةُ في كَلامِ العَرَبِ ما يَتَناثَرُ في شُعاعِ الشَّمسِ من الغُبارِ الدَّقيقِ، يُلمَحُ ولا يُمسَك. الكتابُ يَجمَعُ بَينَهُما: مِيزانٌ على وَزنِ ذَرَّة. كَفّةٌ صَغيرَةٌ بقَدرِ ما يَتَفَتَّتُ في الهَواء، تَستَوفي ما يَنزِلُ علَيها.

والمَعنى الذي يَنفَتِحُ من هذا التَّركيبِ: لا شَيءَ سَقَطَ من الحِساب. الفِعلُ الذي ظَنَنتَه أَهوَنَ من أَن يُسَجَّل، مَوزونٌ. الكَلِمَةُ التي قُلتَها وَنَسيتَها، مَوزونَة. النَّظرَةُ التي رَمَيتَ بها فَأَنفَعَت أَو أَضَرَّت، مَوزونَة. الجَوارِحُ كلُّها على هذا المِيزانِ، والذَّرَّةُ هي وَحدَةُ القياس.

«خَيراً يَرَه»: الفِعلُ يَلتَقي بصاحِبِه

الجَوابُ: «يَرَه». لا «يُجزَ به» ولا «يُكافَأ علَيه». الفِعلُ «رَأى». مَن عَمِلَ يَرى ما عَمِل. كأنَّ الجَزاءَ ليس شَيئاً يُقابِلُ الفِعلَ من خارِج، بل الفِعلَ نَفسَه يَتَكَشَّفُ لصاحِبِه. ما زَرَعتَهُ تَراه قَائماً.

والضَّميرُ «الهاء» في «يَرَه» يَعودُ إلى «مِثقالَ ذَرَّةٍ خَيراً». فالمَرئيُّ هو الذَّرَّةُ نَفسُها بثِقَلِها، لا أَجرٌ مُقَدَّرٌ بحُكمٍ خارِجيّ. الذَّرَّةُ حاضِرَةٌ بصورَتِها أمامَ صاحِبِها. كأنَّ الجَنَّةَ في هذه السورةِ بِنيَةٌ من ذَرّاتٍ كانَت في يَدِك ثمّ تَعودُ إلَيك.

وفي البَقَرَةِ يَتَكَرَّرُ في وَصفِ الجَنَّةِ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مَقروناً بالإيمان. والصَّالِحاتُ هي الأَعمالُ التي تَستَقيمُ بنَفسِها، تَنفَعُ صاحِبَها لا غَيرَها. وَكَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾، الجَنَّةُ هناك تُؤتي أُكلَها بحَسَبِ ما أُسقيَ. كذلك الذَّرَّةُ: تُؤتي صورَتَها بحَسَبِ ما عُمِلَ.

حَدُّ الأقَلِّ، وحَدُّ الأَهمّ

الآيةُ تَكسِرُ كَسَلَين في القارئ. الأوَّلُ: «هذا الفِعلُ صَغيرٌ، لا يَنفَع». والكَسَلُ الثاني سيَكسِرُهُ ما بَعدَها: «هذا الذَّنبُ صَغير، لا يَضُرّ». الكتابُ يَضرِبُ الكَسَلَين بضَربَتَين، الذَّرَّةُ هي السِّكّينُ في كِلتَيهِما.

والمَوضوعُ في الذِّهنِ صورَةُ القارئِ في زَحمَةِ يَومِه: نَظرَةٌ، كَلِمَةٌ، خاطِرٌ. الكتابُ يَقولُ لَهُ: مَهلاً. ما تَفعَلُهُ الآنَ مِثقالُ ذَرَّةٍ، وَأنتَ ستَراه. وقَولُ الكتابِ يُفَتِّتُ المَشهَدَ كلَّه: لا حَركَةَ تَسقُط، ولا نِيَّةَ تَختَفي. الذَّرَّةُ التي ظَنَنتَها لا شَيءَ تَنتَظِرُكَ في وَجهٍ تَعرِفُه.


حَصيلة

الفاءُ تَربِطُ هذه الآيةَ بما قَبلَها: لِأَنَّ الناسَ يُرَون أَعمالَهم، فكلُّ عَملٍ مَهما صَغُرَ سَيُرى. «مَن» شَرطٌ عامٌّ يَشمَلُ كلَّ أَحَد. «يَعمَل» (ع-م-ل) فِعلٌ مُضارِعٌ يَشمَلُ الماضيَ والآتيَ في إطارِ الشَّرط. «مِثقالَ» (ث-ق-ل) آلةُ الوَزن، نَفسُ الجِذرِ الذي وَصَفَ «أَثقالَها» في الآيةِ الثانيَة: الجِذرُ يُغلِقُ السورةَ على نَفسِها. «ذَرَّةٍ» (ذ-ر-ر) أَصغَرُ ما يَتَناثَرُ في الهَواءِ يَلمَحُه البَصَر. الكتابُ يَضَعُ المِيزانَ الأكبَرَ على الكَفّةِ الأصغَر: لا شَيءَ يَسقُطُ تَحتَ الحَدِّ الأَدنى للحِساب. «خَيراً» (خ-ي-ر). «يَرَه» (ر-أ-ي): الفِعلُ يَلتَقي بِصاحِبِه وَجهاً لِوَجه. ليس «يُجزى» أو «يُحاسَب»، بل «يَرى». يُقابِلُ ما فَعَلَ وَيَعرِفُه.