الفاتحة · الآية 3

﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

لماذا التَّكرار؟ موضعُ الاسمَين بعد «ربِّ العالمين»

القرآنُ لا يُكرّرُ اعتباطاً. وذكرُ «الرحمن الرحيم» في البسملةِ ذكرٌ للاسمِ في اسمَيه قبل كلِّ لقاء، وذكرُهما هنا ذكرٌ للتربيةِ في اسمَيها. فالبسملةُ قالت: «الاسمُ نفسُه رحمةٌ واسعةٌ ورحمةٌ دائمة»، والآيةُ الثالثةُ تُكمل: «والتربيةُ التي يُنزِلُها على العوالمِ هي مِن هذَين الاسمَين، لا من خارجهِما».

والتَّكرارُ هنا تَغييرٌ في الوظيفةِ بتَغيُّرِ الموضِع، زيادةً على ما فيه من تأكيدٍ لفظيّ. ويَنتقِلُ الاسمانِ من وَصفِ الاسمِ في البسملةِ إلى وَصفِ التَّربيةِ هنا، ثمّ في الآيةِ التاليةِ إلى وَصفِ المُلك، وهي ثلاثُ مَراتب، كلّها تحت سَقفِ الرحمة.

السَّعةُ قبل الدَّوام، والدَّوامُ قبل الحساب

«الرحمن» سَعةٌ لا تَستثني، تَشملُ كلَّ عالَمٍ من العوالمِ التي ذُكِرَت قبلَها، فتَصلُ الرحمةُ إلى كلِّ كائنٍ بمُجرَّدِ كَونِه كائناً، لا بشَرطِ استحقاقٍ يَقيسُه. و«الرحيم» دَوامٌ يَختصّ، يَثبُتُ على مَن فَتحَ قلبَه للإصغاء، فيَجدُ الرحمةَ تَتجدّدُ عليه، ولا تَأتيه مرّةً ثمّ تَنصرِف.

ولا يَعودُ هذا الزَّوجُ مُتلاصِقاً في البَقَرةِ كلِّها إلّا في موضعٍ واحد: وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ﴾. وإعلانُ التَّوحيدِ في أطولِ سُوَرِ القرآنِ يَختمُ نفسَه بكلمتَي الفاتحةِ الثالثةِ حَرفاً بحَرف، وكأنّ البَقَرةَ تَعودُ إلى هاتَين الصِّفتَين لتُؤكّدَ ما قالَتهُ الفاتحة: لا إله إلّا هو، وهاتان الصِّفتانِ بابُ الدخولِ إليه.

وموضِعُ هذَين الاسمَين قبلَ آيةِ الحسابِ التاليةِ مَقصود: تُذكَرُ الرحمةُ مرّتَين قبلَ أن يُذكَرَ الحسابُ مرّة، فيَعرفُ القارئُ المُصغي أنّ ما يَلي لا يَنقُضُ ما سَبَق.

الاسمانِ في موضعَين: الاسمُ أوّلاً، التَّربيةُ ثانياً

وتُصغى الأسماءُ الإلهيّةُ في الفاتحةِ بناءً مُتدرِّجاً، لا قائمةَ أوصاف. ووَضعَت الآيةُ الأُولى الاسمَ في سَعةٍ ودَوام، ووَضعَت الآيةُ الثانيةُ الثناءَ في مَوضعِه ورَبطَت الاسمَ بالعوالم، وتَقولُ الآيةُ الثالثةُ إنّ هذه العلاقةَ رَحِمٌ يَحوي ويَدوم، وليست علاقةَ مَلِكٍ بعيد. فالقارئُ الذي وَصَلَ إلى هنا قد دَخلَ في ثلاثِ عُروَى: اسمٍ مرفوع، وثناءٍ مُستحَقّ، ورحمةٍ مُقيمة، وبعد هذه العُروَى الثلاثِ يَستطيعُ أن يَسمعَ ما فيه من الحساب، وأن يَقولَ «إيّاكَ نَعبد».

ولا تَنفكُّ البَقَرةُ تَستَدعي «الرحيم» في مَواضعِ التَّوبةِ والابتداءِ من جديد، مَقروناً بـ«التوّاب»: إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. فالجذرُ ذاتُه (ر-ح-م) الذي افتَتحَت به الفاتحةُ يَعودُ حيثُ يَكونُ القَبولُ بعد الزَّلَل، والفاتحةُ تَفتحُ الباب، والبَقَرةُ تُري القارئَ أينَ يَعملُ هذا الاسمُ نفسُه.


حَصيلة

يَعودُ اللَّفظُ نَفسُه مِنَ البَسمَلة، غَيرَ أنَّ مَوضِعَه يُبدِّلُ عَمَلَه: هُناكَ وَصفٌ لِلاسمِ قَبلَ كُلِّ لِقاء، وهُنا وَصفٌ لِلتَّربيةِ بَعدَما ذُكِرَت العَوالِم. فالذي يُربّي العَوالِمَ يَلي خَلقَه بِسَعةٍ تَحوي ودَوامٍ يَتَنَزَّلُ على المُصغي، لا بِقَسوةِ مالِكٍ بَعيد. وذِكرُ الرَّحمةِ مَرَّتَين قَبلَ آيةِ الحِسابِ التّاليةِ قَولٌ صامِتٌ في التَّرتيبِ بِأنَّ الرَّحمةَ عِندَ هذا الرَّبِّ أسبَقُ مِنَ القَضاء.