الفاتحة · الآية 2

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

«الحمد» لا «الشكر»: ثناءٌ راسخٌ لا مقابلَ له

يُفرّقُ اللسانُ العربيُّ بين الحمدِ والشكرِ فَرقاً دقيقاً يَغيبُ في الترجمة. والشُّكرُ ثناءٌ على نعمةٍ وَقَعَت على الشاكر، ولا يَكون إلّا بإزاءِ عطاءٍ مخصوص، ولذلك يَقع من الإنسانِ للإنسان. وأمّا الحمدُ فثناءٌ على ما يَستحقُّ الثناءَ لذاتِه، كان للحامدِ منه عطاءٌ أو لم يَكن، والإنسانُ يَحمدُ الكريمَ على كَرَمِه وإن لم يَنَل من كَرَمِه شيئاً. ولهذا قُدِّرت في اللفظِ الأداةُ «أل»، فجاء «الحمد» معرفةً دون «حمدٍ» نكرةً، والمعنى أنّ الجنسَ كلَّه من الحمد، أي كلَّ ثناءٍ يَصدقُ عليه اسمُ الحمد، يَنتهي بالاستحقاقِ إلى هذا الاسم.

والعربُ تُفرّقُ بينهما في استعمالِها، فتَقولُ «حَمَدْتُ فلاناً» حين تُثني على سجاياه، و«شَكَرْتُه» حين تَذكرُ معروفَه. ففي البسملةِ بَدأنا بـ«الرحمن الرحيم»، وهما صفتا عطاء، وفي الآيةِ التاليةِ نَدخلُ إلى «الحمد»، وهو أعمُّ من الشكر، لأنّه يَشملُ الثناءَ على ما لم نَرَ من الخلقِ أكثرَ ممّا رَأينا.

«ربّ» من الترْبية، لا من الملكيّةِ المحضة

يُترجَمُ «ربّ» غالباً بـ«Lord»، والترجمةُ تَحفظُ السُّلطةَ وتَفقدُ التربية. وجذرُ «ربّ» (ر-ب-ب) هو جذرُ «رَبَّ الطفلَ»، أي أنماه وأخذَه من رَضاعةٍ إلى مَشيٍ إلى كَلام، و«رَبَّ الزرعَ»، أي تَعهّدَه حتى استوى، والمُربّي في العربيّةِ من الجذرِ ذاتِه. فالربُّ هو الذي يَأخذُ الخلقَ من بذرتِه إلى كَمالِه، ولا يَقفُ عند أن يَملكَه مِلكَ تصرُّفٍ خارجيّ.

ومن هنا كان الفرقُ بين «الإله» و«الربّ» في اللسانِ العربيّ، فالإلهُ هو المَعبود، والربُّ هو المُنشئُ المُنمّي. واختارت الآيةُ هنا «الربّ» على «الإله»، فقدّمَت صورةَ الخالقِ الذي يَعتني بالخلقِ عنايةَ مَن يُربّي، قبل أن تَطلبَ منه العبادة. ولهذا الترتيبِ دلالتُه، وهي أنّ القارئَ يُذكَّرُ، قبل أن يُدعى إلى العُبوديّة، بأنّه هو نفسُه مَربوب، مَحمولٌ في كَنفِ تَربيةٍ قائمة.

ويَتَمَيَّزُ «الربّ» كذلك عن «الملك». والملكُ مَن يَملكُ التصرّفَ في الرعيّةِ بحُكمِ السُّلطة، فيَأمرُ ويَنهى، ويَحكمُ ويَقضي، ويَستوي عندَه أن يَعتنيَ بمَن تحتَ يَدِه أو لا يَعتني. وأمّا الربُّ فنِسبتُه نِسبةُ تَنميةٍ، لا نِسبةُ سُلطة، ولا يَكونُ ربّاً إلّا بأن يَأخذَ مَربوبَه من بذرتِه إلى تَمامِه. ولذلك جاءت سورةُ الناسِ في خاتمةِ الكتابِ تَجمعُ الأسماءَ الثلاثةَ على ترتيبٍ مَقصود: بِرَبِّ النَّاسِ ۝ مَلِكِ النَّاسِ ۝ إِلَٰهِ النَّاسِ﴾، فتَبدأُ بالرَّبّ، إذ الرُّبوبيّةُ المُلازِمةُ تَأتي قبلَ كلِّ شيء، ثمّ تَذكرُ المَلِكيّةَ بمعنى السُّلطانِ الكامل، ثمّ الأُلوهيّةَ بمعنى المَعبوديّة. والفاتحةُ تَفتحُ الكتابَ بأوّلِ هذه الثلاثة، فيَأتي ربٌّ يَنمو معه الخَلقُ قبل سُلطانٍ يُهاب، وقبل مَعبودٍ يُسجَدُ له.

وحين تَفتحُ البقرةُ بابَ النداءِ على الناسِ تَستعيدُ هذه الصفةَ بعينِها قبلَ أيِّ أمر: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، وعُدِلَ فيها عن «اعبدوا إلهَكم» إلى «ربَّكم»، وعُلِّلَ الأمرُ بـ«الذي خلقَكم»، فوُصِلَت العبادةُ بالتربيةِ دون السلطة. والفاتحةُ تُعلِنُ مَن هو، والبقرةُ تُترجِمُ الإعلانَ إلى نداء.

الجِذرُ يَعبُرُ الألسُن: «رَبّ» و«rabbi»

وليست الكَلِمةُ التي يَفتَحُ بها الكتابُ بابَه حَبيسةَ اللِّسانِ العَرَبيّ، والنَّواةُ الصَّوتيّةُ R-B تَجري في ألسُنٍ سامِيّةٍ مُتَجاوِرةٍ تَحمِلُ المعنى نفسَه، وهو الحائزُ الذي يَتَعَهَّدُ ما تَحتَه فيَنميه. وهي في العربيّةِ «رَبّ»، الذي يَأخذُ المَربوبَ من بَذرةٍ إلى تَمام، وفي العِبريّةِ rav (רַב)، وهو الكَبيرُ الذي يَعلو على الجَمعِ بإحاطتِه به، ومنها rabbi (רַבִּי) أي «سَيِّدي»، وهي اللَّفظةُ التي يُنادى بها مُعَلِّمُ اليَهود، وفي الآراميّةِ rabbā (ܪܒܐ)، وهو الكَبيرُ بمَعنى المُتَّسِعِ في الأخذِ والاحتِواء. وهذا هَيكَلٌ صَوتيٌّ واحدٌ R-B تَنقُلُه الألسُنُ بنَواةٍ ثابِتة، مَعناها مَن يَحوزُ فيُكَثِّرُ ما حازَه.

والقارئُ بالإنكليزيّةِ يَعرفُ كَلِمةَ rabbi من طُفولتِه، ويُرادُ بها المُعَلِّمُ اليَهوديُّ في كَنيستِه، الذي يُلازِمُ تلامذتَه ويَنميهم. فإذا التَفَتَ إلى الفاتحةِ وسَمِعَ «رَبّ العالَمين» سَمِعَ الكلمةَ ذاتَها مُتَّسِعةً إلى أقصاها، دالّةً على مُربّي العَوالمِ كلِّها، لا على مُعَلِّمِ جَماعة. والفَرقُ بين الإنسانِ والإلهِ في مَدى ما تَحويه الكَلِمة، وهي هي فيهما، والرَّبُّ البَشَريُّ يَحوزُ مَجلِسَه، والرَّبُّ الإلهيُّ يَحوزُ كلَّ عالَم، فالنَّواةُ واحدة، والسَّعَةُ مُتَفاوِتة.

وفي هذا ما يُغني التَّرجَمةَ الإنكليزيّةَ المُعتادة. وLord في الإنكليزيّةِ كَلِمةٌ إقطاعيّة، يُرادُ بها السَّيِّدُ الذي تَجَمَّعَ تَحتَه الأرضُ والرَّعيّةُ بحُكمِ الرُّتبة، بَعيداً مُتَعالياً، لا يَنمو معه ما تحتَه. وأمّا «رَبّ» ففي جِذرِها التَّمَسُّكُ والمُلازَمة، والرَّبُّ مَوصولٌ بمَربوبِه، يَجري مَعَه في نُموِّه. ومَن سَمِعَ الكلمةَ من خِلالِ rabbi سَمِعَ وَجهاً أقرب، هو السَّيِّدُ الذي مَعَ، دون السَّيِّدِ الذي فَوق.

تَعبُرُ الكَلِمةُ ألسُنَ البَشَر، ويَبقى مَعناها ثابِتاً في هَيكَلِها الصَّوتيّ، وما يُنادَى به المُعَلِّمُ في كَنيسةٍ يَهوديّةٍ هو الجِذرُ الذي يَفتَتِحُ به الكتابُ ربوبيّةَ العالَمين.

«العالَمين» من «العَلامة»: كلُّ عالَمٍ آيةٌ تَدلّ

و«العالَم» في العربيّةِ ما يَحملُ علامة، وليس هو «الكون» ولا «الطبيعة». وجذرُه ع-ل-م، وهو جذرُ «العِلم» و«العَلامة» معاً، فالعالَمُ ما يُعلَمُ به شيء، أي ما فيه دلالةٌ على سواه. والعربُ تَقول «أعلَمْتُ على الشيء» إذا وُضِعَت عليه علامةٌ تُميّزُه، والعالَمُ بهذا المعنى كيانٌ يَحملُ في ذاتِه علامةً تَدلّ على صانعِه.

وقولُه «العالمين» بالجمعِ يَنصرفُ إلى عوالمَ كثيرة، لا إلى عالَمٍ واحد: عالَمِ الإنس، وعالَمِ الجنّ، وعالَمِ الملائكة، وعالَمِ البَهائم، وعالَمِ الجماد، وعوالمَ لا يُحصيها إلّا خالقُها. وكلُّ عالَمٍ منها آيةٌ مُستقلّة، يَحملُ من علاماتِ الصَّنعةِ ما يَخصُّه، وكلُّها داخلةٌ تحت ربوبيّةٍ واحدة، والمُربّي لا يَتركُ شيئاً إلّا أخذَه إلى تمامِه الذي يَليقُ به.

والفاتحةُ تُعلنُ هذه الصفةَ بلسانِ الكتاب، والبقرةُ تَعرضُها بلسانِ إنسانٍ واحد، فحين أمرَه ربُّه أن يُسلِمَ عُدِلَ في جوابِه عن «أنا مؤمن» و«أنا مُسلم» إلى قولِه: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والكلمةُ ذاتُها التي افتُتِحَ بها الكتابُ تَخرجُ هنا من فمِ بشرٍ جواباً يَحمِلُ هويّتَه. والفاتحةُ تَقولُ مَن هو الربّ، والبقرةُ تُرينا ما يَعني أن يُسلِمَ له إنسان، والكلمةُ تَسبقُ المصطلح، ودَورُ المُسلِمِ يَسبقُ اسمَه.

الترتيب: حَمدٌ يَنتهي إلى اسم، وتَربيةٌ تَشملُ كلَّ عالَم

تُقيمُ الآيةُ ترتيباً ثلاثيّاً: الحمدُ أوّلاً، وهو اعترافٌ راسخٌ بالاستحقاق، ثمّ الاسمُ الذي إليه يَنتهي، وهو الله، ثمّ صفةٌ تَصلُ الاسمَ بالخلق، وهي ربّ العالمين. فالترتيبُ يَنطلقُ ممّا يَستحقّه المعبودُ إلى الخلقِ كلِّه، لا من العابدِ إلى المعبود. والقارئُ في هذه الآيةِ لم يَتكلّمْ عن نفسِه بعد، وهو في مَوضعِ مَن يَسمعُ قبلَ أن يَدخل، وسيَدخلُ في الآيةِ الخامسةِ حين يَقول: «إيّاكَ نَعبدُ وإيّاكَ نستعين».

وفي هذا الترتيبِ أدبٌ كبير، فمَن أرادَ أن يَدعوَ ربَّه فلْيَبدأ بالثناءِ الذي لا يَطلبُ عَطاءً، ثمّ بذِكرِ الاسم، ثمّ بذِكرِ صفةِ التربية، وإنّما يَقع الطلبُ بعد ذلك. فالفاتحةُ تُعلّمُنا أدبَ الدُّعاءِ كلِّه في سبعِ آيات: ثلاثٌ ثناء، وواحدةٌ انعقادُ نسبة، وثلاثٌ طلب. وحين تَختمُ البقرةُ نفسَها بالنداءِ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ تَعودُ إلى الاسمِ الذي افتتحَت به الفاتحة، فبعد ألفِ صفحةٍ من التشريعِ والقَصَصِ والمُعاملةِ تَنزلُ الكلمةُ الأخيرةُ على «ربَّنا»، والكتابُ كلُّه يَدورُ في فَلَكِ هذا الاسم.


حَصيلة

أوَّلُ مَنطوقٍ في الكِتابِ بَعدَ البابِ اعتِرافٌ بِما هُوَ أعلى مِنَ الإنسان، وليسَ خَبَراً عَنه. و«الحَمدُ» ثَناءٌ لا يَشتَرِطُ مُقابِلاً، مُنفَصِلٌ عَنِ «الشُّكرِ» الذي يَأتي على عَطاءٍ وَقَع، والحَمدُ يَنعَقِدُ على ما يَستَحِقُّ التَّقديرَ لِذاتِه. ثُمَّ يُرَدُّ كُلُّ حَمدٍ إلى اسمِ «الله»، فيَنتَهي الثَّناءُ كُلُّه إلى مَركَزٍ واحِد، ويَأتي بَعدَه «رَبُّ العالَمين»، وهو المُربّي الذي يَنقُلُ خَلقَه مِن بَذرةٍ إلى تَمام، لا السَّيِّدُ الذي يَستَعلي بِالرُّتبة. والجِذرُ ر-ب-ب يَتَجاوَزُ اللِّسانَ العَرَبيَّ إلى ألسُنٍ سامِيّةٍ مُجاوِرة (rav, rabbi, rabbā)، وهو نَواةٌ صَوتيّةٌ واحِدةٌ تَحمِلُ مَعنى الحائِزِ الذي يَتَعَهَّدُ ما تَحتَه. والعالَمونَ، مِن جِذرِ ع-ل-م، عَوالِمُ كَثيرة، يَحمِلُ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلامةً تَدُلُّ على صانِعِه. فالآيةُ تُعطي القارئَ إطاراً قَبلَ أن تَطلُبَ مِنهُ شَيئاً، ويُصغي فيها، قَبلَ أن يَقولَ «أنا»، إلى رَبٍّ يَنمو مَعَ كُلِّ كائنٍ في كُلِّ عالَم.