البقرة · الآية 132

﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

(و ص ي): الوَصيّةُ رِباطٌ مَحكَمٌ يَمتَدُّ عَبرَ الأجيال

جذر (و ص ي) نُواتُه الثُّنائيّة (و ص) = احتِواءٌ قَوِيٌّ يُحيط، والياءُ اتّصالٌ يَمتَدّ. فالوَصيّةُ في أصلِ الجذر رِباطٌ مَحكَمٌ يُحيطُ بالمَعنى ثمّ يَتَّصِلُ به الوارِث. وليست كَلاماً عارِضاً عند فِراقٍ، هي تَوليةٌ تَربِطُ المُتَأخِّرَ بِالمُتَقَدِّمِ بِبِنيةِ عَهد. فوَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ليس إلقاءَ نَصيحةٍ عابِرَة، هو إحكامُ رِباطِ الأمانةِ على رِقابِ الأبناءِ بِفِعلِ الأب.

بِهَا + عَطفُ وَيَعْقُوبُ: وَحدةُ الرِسالةِ من الجَدِّ إلى الحَفيد

الضَّميرُ بِهَا راجِعٌ إلى كَلمةِ «أَسلَمتُ لِرَبِّ العالَمين» التي سَبَقَت، فالوَصيّةُ بِها لا بِاسمِ دينٍ ولا بِشَعيرَةٍ مُحَدَّدَة، هي بِحالةِ التَسليمِ نَفسِها. وعَطفُ وَيَعْقُوبُ يُلحِقُ الحَفيدَ بِالجَدِّ في نَفسِ الفِعل، فيُثبِتُ أنّ الوَصيّةَ ليست فَردِيّةً بَل بِنيةٌ مُتَوارَثَةٌ في السِّلسِلَة. إبراهيمُ يُوصي بَنيه، ويَعقوبُ يُوصي بَنيه، وكُلُّ جيلٍ يَستَقبِلُ الوَصيّةَ ويُعيدُ إنتاجَها.

(ص ف و) + (د ي ن): «اصطَفى لَكُمُ الدِّين» الاصطفاءُ فَرزٌ، والدِّينُ نَمَطُ مَدينيّة

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ يَجمَعُ جِذرَينِ مِحوَرِيَّين: (ص ف و) الفَرزُ الذي يَستَوعِبُ المُختار، و(د ي ن) النَّسَقُ الذي يُقَيِّدُ ويَربِطُ ويَمتَدُّ إلى الباطِن. فالدِّينُ في بِنيةِ جِذرِه ليس اسمَ مَذهَبٍ أو رايةَ طائِفَة، هو النَّمَطُ الذي يَشُدُّ الحَياةَ إلى مَصدَرِها (ومنه «الدَّيْن» المالِيُّ: الاتّصالُ المُلزِمُ بِمَصدَرِ العَطاء). واصطِفاءُ الدِّينِ فَرزٌ إلَهيٌّ: اللهُ اختارَ نَمَطَ المَدينيّةِ الذي يُناسِبُ حامِلي الأمانَة، فمَن قَبِلَ الاصطِفاءَ حَمَلَ النَّمَطَ، ومن رَفَضَه دانَ بِنَمَطٍ آخَر.

(م و ت) + (س ل م): فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ الاستِسلامُ حالٌ تَمتَدُّ لا تَنقَطِع

صيغةُ النَهيِ الغَريبَةُ فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ ليست نَهياً عن المَوتِ نَفسِه، فالمَوتُ ليس في يَدِ أحَد. النَهيُ هنا عن أن يُفاجِئَ المَوتُ صاحِبَه وهو خارِجٌ من حالِ التَسليم. فالمَطلوبُ إذَن بَقاءُ حالٍ لا لَحظَةُ قَرار: أن يَكونَ الإنسانُ في كُلِّ لَحظةٍ مُسلِماً، حَتّى لا يَجِدَه المَوتُ في لَحظَةٍ مُغايِرَة. جذرُ (س ل م) هنا يَعودُ بِصيغةِ الحالِ الدائِمةِ مُسْلِمُونَ﴾: اسمُ الفاعِلِ يَنقُلُ التَسليمَ من حَدَثٍ مَضى إلى صِفَةٍ مُستَمِرَّة. الوَصيّةُ تَطلُبُ وُصولَ المَوتِ وصاحِبُه داخِلَ الحال، لا بَعدَ أن خَرَجَ منها ثمّ عادَ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: وَصيّةُ إبراهيمَ ويَعقوبَ في الآيةِ ليست انتِقالَ اسمِ مَذهَبٍ من جيلٍ إلى جيل، هي ربطُ الأبناءِ بِحالِ التَسليمِ المُستَمِرَّة، واصطِفاءُ الدِّينِ فَرزٌ إلهيٌّ لِنَمَطِ الحَياةِ لا إعلانُ طائفَةٍ مُعَيَّنَة.


حَصيلة

تَنقُلُ الآيةُ الوَصيّةَ من فَردٍ إلى نَسَقٍ: إبراهيمُ يُوصي بَنيه، ويَعقوبُ يُوصي بَنيه، وجذرُ (و-ص-ي) يَكشِفُ أنّ الوَصيّةَ في بِنيتِها رِباطٌ مَحكَمٌ يُحيطُ بالمَعنى ثمّ يَمتَدُّ إلى الوارِث، لا كَلاماً عارِضاً عِندَ فِراق. والضَّميرُ «بِها» يَرجِعُ إلى «أَسلَمتُ لِرَبِّ العالَمين» من الآيةِ السابِقَة، فالموصى به ليس اسمَ دينٍ بَل حالةُ التَسليمِ نَفسُها. ثمّ جاءَ تَعليلُ الوَصيّةِ بِجِذرَينِ مُتَكامِلَينِ: (ص-ف-و) الفَرزُ الذي يَستَوعِبُ المُختار، و(د-ي-ن) النَّسَقُ الذي يُقَيِّدُ ويَشُدُّ إلى المَصدَر. فاللهُ لم يَفرُض دِيناً بَل فَرَزَ نَمَطاً يُناسِبُ حامِلي الأمانَة. وتَختِمُ الآيةُ بِصيغةٍ غريبةٍ تَجعَلُ المَوتَ حَداًّ لا نِهايَة: فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، واسمُ الفاعِلِ «مُسلِمون» ينقُلُ التَسليمَ من حَدَثٍ ماضٍ إلى صِفَةٍ مُستَمِرَّة: الوَصيّةُ ليست بِلَحظةِ إسلامٍ بَل بِدَوامِ الحال.