البقرة · الآية 186

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

«وإذا سألك عبادي عنّي»: «إذا» لتحقّق الوقوع + (س ا ل) طلب + (ع ب د) خدمة مع إضافة الياء المالكة

وظَرفُ «إذا» في العَرَبيّةِ يَضَعُ الشَّرطَ في مَوضِعِ الوُقوعِ المُتَوَقَّعِ لا المُستَبعَد، بِخِلافِ «إنْ» التي تَترُكُ الاحتِمالَ مَفتوحاً؛ فالسُّؤالُ عن اللهِ حَدَثٌ مُتَوَقَّعُ الوُقوعِ من العَبيد. ونُواةُ (س ا) طَلَبٌ بِفَتح، واللّامُ توصِلُ الطَّلَبَ إلى مَقصودِه؛ فالسُّؤالُ طَلَبٌ يَقصِدُ مَعلومةً مُحَدَّدة. ونُواةُ (ع ب) انقِيادٌ جاهِزٌ بِلا تَرَدُّد، والدّالُ تَضُمُّ إلَيه ثَباتاً في الخِدمة؛ فالعَبدُ في أصلِ الجَذرِ مَنِ انقادَ خِدمةً لا مَن ذَلَّ إكراهاً. وإضافةُ الياءِ في «عبادي» تُحَوِّلُ العَلاقةَ من هَرَميّةٍ إلى مِلكيّةٍ قَرابيّة، فاللهُ يَدعوهُم «عِبادي» دونَ «العَبيد»، مِمّا يَفتَحُ بابَ الأُنسِ قَبلَ السُّؤال. والاستِفتاءُ بِضَميرِ المُتَكَلِّمِ «عَنّي» يَضَعُ المُتَكَلِّمَ نَفسَه مَحَلَّ السُّؤال.

«فإنّي قريب»: «فإنّ» التوكيد + حذف واسطة المُخاطَب + (ق ر ب) مُطلَق بلا تقييد + الصفة المُشبّهة

والفاءُ في «فَإنّي» فاءُ جَزاءٍ تَنقُلُ إلى الجَوابِ مُباشَرة، و«إنّ» تَجعَلُ التَّوكيدَ في ذاتِ المُتَكَلِّمِ دونَ الصِّفة. وهذه هي الآيةُ الوَحيدةُ في القُرآنِ التي يُجيبُ فيها الخالِقُ سُؤالاً بِلا وَسيطِ «قُل»؛ فالحَذفُ البَلاغيُّ يُلغي واسِطةَ المُخاطَبِ في جَوابِ هذا السُّؤالِ بِالذّات، فيَصيرُ الكَلامُ من المُجيبِ إلى السّائِلِ بِلا طَرَفٍ ثالِث. ونُواةُ (ق ر) مَسكٌ مُتَقارِب، والباءُ تُلصِقُ ما تَقارَب؛ فالقُربُ تَلامُسٌ يَمنَعُ البَين، وليسَ جِواراً نَظيراً. وصيغةُ «قَريب» على فَعيلٍ صِفةٌ مُشَبَّهةٌ تُفيدُ الثُّبوتَ دونَ الحُدوث؛ فالقُربُ صِفةٌ قائِمةٌ بِالذّاتِ الإلَهيّة، غَيرُ حادِثةٍ بِالطَّلَب. ولم يُقَيَّدْ هذا القُربُ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ ولا حال، فيُقرَأُ مُطلَقاً.

«أُجيب دعوة الداع إذا دعان»: (ج و ب) رجوع + (د ع و) طلب مع نداء + تكرار الجذر ثلاثاً

ونُواةُ (ج و) رُجوعٌ مَسموع، والباءُ تُضيفُ إلصاقَ الرُّجوعِ بِالأصل؛ فالإجابةُ في أصلِ الجَذرِ رُجوعُ المَنادى إلى المُنادي بِصَوتٍ مَلموس، ومِنه «جَوابُ البِئر»: صَدىً داخِلَها. والفِعلُ المُضارِعُ «أُجيب» يُفيدُ استِمرارَ الفِعلِ وتَجَدُّدَه في كُلِّ مَرّة، لا فِعلاً ماضِياً انتَهى. ونُواةُ (د ع) طَلَبٌ بِنِداءٍ يَستَحضِرُ الطَّرَف، والواوُ تُفيدُ الامتِداد؛ فالدَّعوةُ نِداءٌ مُمتَدٌّ يَستَحضِرُ المَدعُوّ. وتَكرارُ الجَذرِ (د ع و) ثَلاثَ مَرّاتٍ مُتَتالِيةٍ (دَعوة/الدّاعِ/دَعانِ) تَفكيكٌ لِشَرطِ الاستِجابة، وليسَ ثِقَلاً بَلاغيّاً: الدَّعوةُ فِعل، والدّاعي فاعِل، ودَعاني حَدَث؛ فالإجابةُ تَتَحَقَّقُ بِالدَّعوةِ الفِعليّةِ من الدّاعي نَفسِه لا بِالتَّمَنّي. وظَرفُ «إذا» يَلزَمُ الحَدَثَ الفِعليَّ دونَ الرَّغبةِ العابِرة.

«فليستجيبوا لي»: استفعال (ج و ب) التكلّف + لام الأمر + اللام للاختصاص + تمييز الاستجابة عن الإجابة

ووَزنُ استَفعَلَ في (استَجابَ) يُفيدُ طَلَبَ الفِعلِ أو تَكَلُّفَه؛ فالاستِجابةُ من العَبدِ لِلرَّبِّ جُهدٌ يَبذُلُه العَبدُ لِيَرجِعَ بِصَوتِه إلى مَن دَعاه، و«إجابةُ» الرَّبِّ فَضلٌ يَصدُرُ مِنه بِلا تَكَلُّف. فالآيةُ تَفصِلُ بَينَ فِعلَين: إجابةٌ من أعلى، واستِجابةٌ من أسفَل. ولامُ الأمرِ في «فَليَستَجيبوا» تَنقُلُ الحُكمَ إلى المُستَجيبِ بِنَفسِه. واللّامُ في «لي» لِلاختِصاص، تَخُصُّ الاستِجابةَ بِالمُجيب، وتُخرِجُ كُلَّ وَسيطٍ مُحتَمَلٍ يَطلُبُ الاستِجابةَ لِنَفسِه. فمَنِ استَجابَ لِشَيخٍ أو حِزبٍ أو دَولةٍ بِدَعوى أنَّهُم أقرَبُ إلى اللهِ فقد خَرَجَ عن هذه اللّامِ الحَصريّة.

«وليؤمنوا بي لعلّهم يرشدون»: (أ م ن) سكون الثبات + «بي» باء الإلصاق + (ر ش د) نضوج بعد خام + «لعلّ» الترجّي

ونُواةُ (أ م) سُكونٌ بَعدَ اضطِراب، والنّونُ تُوَطِّنُ السُّكونَ في مَحَلِّه؛ فالإيمانُ سُكونٌ مُستَقِرٌّ إلى الثُّبوت، وليسَ اعتِقاداً لَفظيّاً. والباءُ في «بي» لِلإلصاق، تُلصِقُ السُّكونَ بِذاتِ المُؤمَنِ بِه دونَ خَبَرٍ عَنه، فالإيمانُ بِذاتِ اللهِ لا بِما يُقالُ في الله. ونُواةُ (ر ش) تَصاعُدٌ ناضِج، والدّالُ تَضُمُّ إلَيه ثَباتاً في النُّضوج؛ فالرُّشدُ نُضوجٌ ثابِتٌ بَعدَ مَرحَلةِ الخام، ويُقابِلُه الغَيُّ، وهو ضَياعٌ قَبلَ النُّضج. والفِعلُ المُضارِعُ «يَرشُدون» يُفيدُ التَّجَدُّد، والتَّرَجّي في «لَعَلَّ» يَكشِفُ أنَّ الرُّشدَ ثَمَرةٌ مَرجوّةٌ غَيرُ حَتميّة: الاستِجابةُ والإيمانُ شَرطانِ ضَروريّانِ غَيرُ كافِيَين، فالرُّشدُ يَحتاجُ إلى ناضِجٍ يَقبَلُ النُّضج.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والدّاعي دَورٌ يَقَعُ فيه مَنِ استَجابَ بِجُهدِه لِمَن أجابَه بِغَيرِ جُهد، فأمَّنَه إلى ذاتِه دونَ خَبَرٍ عَنه، فنَضِجَ حتّى صارَ رَشيداً، وليسَ لَقَباً يُطلَقُ على كُلِّ رافِعٍ يَدَه.


حَصيلة

تَنزِلُ هذه الآيةُ في قَلبِ أحكامِ رَمَضانَ وتُغَيِّرُ السِّجِلَّ تَغييراً جَذريّاً، وهي الآيةُ الوَحيدةُ في القُرآنِ التي لا يَعتَرِضُ فيها «قُل» بَينَ السُّؤالِ والجَواب: «وإذا سَأَلَكَ عِبادي عَنّي فإنّي قَريب»، والمُتَكَلِّمُ يُجيبُ مُباشَرةً بِلا واسِطة، وهذا الحَذفُ البَلاغيُّ هو الجَواب. وإضافةُ «عِبادي» بِياءِ المِلكِ المُتَّصِلةِ قَرابةٌ لا ذِلّة. وصيغةُ «قَريب» على فَعيلٍ صِفةٌ مُشَبَّهةٌ تُفيدُ الثُّبوتَ دونَ الحُدوث، والقُربُ من (ق-ر-ب) تَلامُسٌ يَمنَعُ البَين، وهو صِفةٌ قائِمةٌ بِالذّات، غَيرُ مَوقوفةٍ على الطَّلَب. ثُمَّ تَكَرَّرَ جَذرُ (د-ع-و) ثَلاثَ مَرّاتٍ في جُملةٍ واحِدة، و«دَعوةَ الدّاعِ إذا دَعان» تَفكيكٌ لِشَرطِ الاستِجابةِ إلى فِعلٍ وفاعِلٍ وحَدَث، والرَّغبةُ العابِرةُ لَيسَت دَعوة. والفِعلُ المُضارِعُ «أُجيب» يُفيدُ التَّجَدُّدَ في كُلِّ مَرّة، لا فِعلاً انتَهى. وأمّا وَزنُ الاستِفعالِ في «فَليَستَجيبوا» فيَكشِفُ أنَّ الاستِجابةَ من العَبدِ جُهدٌ يَبذُلُه، لا قَطرةٌ تَهطِل، على عَكسِ إجابةِ الرَّبِّ التي تَصدُرُ بِلا تَكَلُّف. واللّامُ في «لي» لِلاختِصاصِ الحَصريّ، تُخرِجُ كُلَّ وَسيط. ثُمَّ «يُؤمِنوا بي» بِباءِ الإلصاق، والإيمانُ بِذاتِ المُتَكَلِّمِ دونَ خَبَرٍ عَنه. وغايةُ «لَعَلَّهُم يَرشُدون» جاءَت بِالتَّرَجّي، والرُّشدُ من (ر-ش-د) نُضوجٌ ثابِتٌ بَعدَ الخامِ يَحتاجُ إلى ناضِجٍ يَقبَلُ النُّضج.