البقرة · الآية 195
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أنفِقوا في سبيلِ الله»: (ن ف ق) و(س ب ل) والنَّفَقُ الذي يُخرِجُ المَحبوس
أفتَتِحُ بأنَّ «الإنفاقَ» من جذرِ (ن ف ق)، ونُواتُه «النَّفَقُ» وهو السَّربُ الذي يَحفُرُه الحيوانُ في الأرضِ ليَخرُجَ منه، ومنه «نافِقاءُ اليَربوع» للمُخرَجِ الذي يَسُدُّه حتى إذا هَجَمَ العَدوُّ من البابِ فَتَحَه ليَنفُذَ منه. فالإنفاقُ إذاً ليس تَصَدُّقاً من فائضٍ، بل «إخراجُ ما كُنتَ تَحفَظُه لنَفسِك» إلى مَجالِ النَّفع. وأمّا «السَّبيل» كما فَصَّلتُ في آيةِ 190، طريقٌ مَعلومٌ للناسِ لا هُتافٌ عَقائديّ. فالأمرُ «أنفِقوا في سبيلِ الله» يَعني: أخرِجوا ما تَملِكونَ من المُدَّخَرِ ووَضِّعوه في طَريقٍ يَعرِفُ الناسُ أنَّه طَريقُ دَفعِ الظُّلمِ وحِمايةِ المُستَضعَف.
«ولا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهلُكة»: (ل ق ي) و(ه ل ك) ومَن هو المُلقي؟
أُؤكِّدُ أنَّ الفعلَ «تُلقوا» من جذرِ (ل ق ي)، ونُواتُه «الوُصولُ إلى شيءٍ بالمُقابَلة»، فـ«ألقى» جَعَلَه يَلقى شيئاً. وهنا الفاعلُ «أنتُم» والمَفعولُ «أيديكم»، والمُلقى إليه «التَّهلُكة». فالصُّورةُ: يَدٌ يَحمِلُها صاحِبُها، ثمَّ يَترُكُها تَلقى الهَلاك. وهذا عَكسُ ما يَفهَمُ القارئُ حينَ يَنقُلُ الآيةَ من سِياقها. فالتَّهلُكةُ من جذرِ (ه ل ك)، ونُواتُه «الزَّوالُ الكامل»، ومنه «الهَلاكُ» و«المُهلِك». والسِّياقُ كلُّه عن الإنفاقِ في القِتال، فمَعنى «لا تُلقوا بأيديكم إلى التَّهلُكة» لا تَتَسَبَّبوا بأيديكم (أي بإمساكِكم عن الإنفاق) في هَلاكِ جَماعَتكم. فـ«الإمساكُ» حينَ يَحتاجُ الدَّفعُ إلى المالِ هو نَفسُه الإلقاءُ إلى الهَلاك. والعَقدُ بين الجُملَتَينِ «أنفِقوا» و«لا تُلقوا» ليس تَتَطُّفاً، بل تَفسيرٌ: إيّاكم أن تَخسَروا بتَرْكِ الإنفاقِ كلَّ ما عَمِلتُم له بالدَّم.
«وأحسِنوا»: (ح س ن) إتقانُ الفِعلِ لا زينَتُه
أُلاحِظُ أنَّ «أحسِنوا» من جذرِ (ح س ن)، ونُواتُه «الجَمالُ النّاتِجُ عن الإتقان»، ومنه «الحَسنُ» لما وَقَعَ مَوقِعَه من الشيء، فصارَ جميلَ البِنية. وقد يُظَنُّ أنَّ الإحسانَ عَطاءٌ زائدٌ على الإنفاق، لكنَّ الأصَحَّ أنَّه إتقانُ ما تَفعَلُه نَفسِه. فـ«أنفِقوا وأحسِنوا» لا تَعني تَصَدَّقوا أوّلاً ثمَّ زيدوا تَطَوُّعاً، بل «أنفِقوا بإتقانٍ»: ضَعوا المالَ في مَوضعِه الصَّحيح، في يَدِ المُجاهدِ المُحتاجِ لا في جَيبِ المُتَلَبِّسِ بالدَّفع، على الثَّغرِ الذي يُسَدُّ فيه الضَّررُ لا على الثَّغرِ الذي يُستَعرَضُ فيه الكَرَم. فالإحسانُ مَعنىً كَيفيٌّ يَرفَعُ الإنفاقَ من مُجَرَّدِ فِعلٍ إلى فِعلٍ مُتقَنِ التَّصويب.
«إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحسِنين»: (ح ب ب) التِصاقُ المَعيّة بالمُتقِنين
أَختِمُ بأنَّ «يُحِبُّ» من جذرِ (ح ب ب) كما بَيَّنتُ في آيةِ 190، نُواتُه «الالتِصاقُ والمَيلُ النّاميّ». فإذا كانَ نَفيُ الحُبِّ عن المُعتَدي معناه انفِصالُ النِّسبةِ الإلهيّة عن فِعلِه، فإنَّ إثباتَ الحُبِّ للمُحسِنين مَعناه التِصاقُ النِّسبةِ الإلهيّة بفِعلِهم. فإنفاقُكم إذا أُتقِنَ صارَ مَحمولاً على نِسبةٍ إلهيّة، ولم يَبقَ فِعلاً مُنفَصِلاً. وهذا أعظَمُ جَزاءٍ على الإنفاق: أن يُنسَبَ الفِعلُ إلى الله، لا أن يُردَّ بمُكافأةٍ دُنيويّة.
فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. «الإنفاق» ليس فَضيلةً صَدَقيّةً تُزَيِّنُ صاحبَها، بل دَورٌ اقتصاديٌّ يَحمي الجَماعةَ من الانهِيار: مالٌ مُحتَبِسٌ يُخرَجُ إلى طَريقِ الدَّفعِ والحِماية. والامتِناعُ عنه ليس حِرصاً بل هو «إلقاءُ الأيدي إلى التَّهلُكة»: قَتلٌ للجَماعةِ بيَدِ أبنائها حينَ يُغلِقونَ جُيوبَهم في لحظةِ الاشتِباك. والإحسانُ ليس تَطَوُّعاً زائداً، بل إتقانُ الإنفاقِ نَفسه: وَضعُه في مَوضِعه. ومَحَبّةُ اللهِ للمُحسِنينَ هي التِصاقُ النِّسبةِ الإلهيّة بفِعلِهم، لا مِنحةٌ عاطفيّة.
حَصيلة
تَنتَقِلُ الآيةُ من الحَدِّ الجِسديِّ للقِتالِ إلى الحَدِّ الاقتِصاديِّ له. جَذرُ (ن-ف-ق) السَّربُ الذي يُخرَجُ منه ما كانَ مَحبوساً: الإنفاقُ إخراجُ ما كُنتَ تَحفَظُه لنَفسِك إلى مَجالِ النَّفع. والسَّبيلُ طَريقٌ واضِحُ المَعالِم لا هُتافٌ مُجَرَّد. ثُمَّ تَأتي الصُّورةُ الأَشَدُّ: «لا تُلقوا بأيديكُم إلى التَّهلُكة» وقد يُخطئُ القارئُ في فَهمِها خارِجَ السِّياق. الفاعلُ «أنتُم»، المَفعولُ «أيديكم»: أنتُم مَن يَحمِلُ يَدَه ثُمَّ يَترُكُها تُلقى في الهَلاكِ. بجَذرِ (هـ-ل-ك) الزَّوالِ الكامِل. والسِّياقُ كُلُّه عن الإنفاقِ في الدَّفع، فالمَعنى: إمساكُكُم عن الإنفاقِ حينَ يَحتاجُ الدَّفعُ إليه هو نَفسُه الإلقاءُ إلى الهَلاك، لا العَكس. ثُمَّ «وأحسِنوا»: جَذرُ (ح-س-ن) الجَمالُ النَّاتِجُ عن الإتقان، فالإحسانُ هُنا صِفةٌ كَيفيّةٌ لِلإنفاقِ نَفسِه: ضَعوه في مَوضِعِه الصَّحيح. وخاتِمةُ «يُحِبُّ المُحسِنين» بجَذرِ (ح-ب-ب) التِصاقُ النِّسبةِ الإلهيّةِ بالفِعلِ المُتقَن: الإنفاقُ المُتقَنُ يَنتَسِبُ إلى اللَّه لا يَبقى فِعلاً مَعزولاً.