البقرة · الآية 68

﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ

«لَّا فَارِضٌ» جذر: ف-ر-ض

الجذر ف (تَفريق + نَفاذ) + ر (تكرار + جَريان) + ض (ضَمّ + ثِقَل)، فالفَرضُ قَطعٌ مُحكمٌ يَضَعُ حَدّاً لا يُتَجاوَز، و«فارِض» من البقر التي انقطَعت عن سنّ الإنجاب لكِبَرها، كأنّها فَرَضت حَدّها على نَفسها.

«وَلَا بِكْرٌ» جذر: ب-ك-ر

والجذر ب (اتّصال + تَمَسُّك) + ك (كَتم + قَطع) + ر (تكرار + جَريان)، فالبَكرُ أوّل الخُروج من باب التَّكوّن، والبِكرُ من البَقر الصَّغيرة قَبل نُضجها.

«عَوَانٌ» جذر: ع-و-ن

والعَونُ الوسَط المُعين بين طَرفَين، والعَوانُ من كلّ شَيء وَسَطه، فالمَطلوب حَدٌّ وَسطٌ حَيّ الإنتاج غَيرُ مُتطرّف، يُطلَب فيه مَن هو في ذُروة قُدرته، ولا يُطلَب مَن فَرَغ ولا مَن لم يَنضج.

«فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ»

والفاء سَببيّة، والمَعنى قَد أُعطيَ لكم ما كَفى، والجُملة تَقطع بَاب المزيد من السُّؤال، وفيها تَعليمٌ تَربويّ، هو أنّ الامتثالَ بَعدَ البَيانِ هو الأصل، وأنّ كلّ سُؤالٍ بَعده تَسويف.


حَصيلة

بَعدَ أَن رَفَضوا الأَمرَ الأَوَّلَ بِالاستِهزاء انتَقَلَ القَومُ إلى طَورِ التَّسويف: «ادْعُ لَنَا رَبَّكَ» دونَ «رَبَّنا». وفي هذا الانتِقالِ كَشفٌ عن مَوقِفٍ نَفسيٍّ دَقيق، فقد وَضَعوا الرُّبوبيّةَ في حَيِّزِ موسى لا حَيِّزِهِم، كأَنَّهُم يَقولون: لَكَ رَبُّكَ فأَنتَ المُكَلَّفُ بِالسُّؤال، لا نَحن. وجاءَ الجَوابُ بِأَدَقِّ تَوصيفٍ وأَقَلِّ كَلام: لا ف-ر-ض (ما انقَطَعَت عن سِنِّ الإنجابِ فَفَرَضَت حَدَّها على نَفسِها)، ولا ب-ك-ر (ما لم يَنضُجْ بَعدُ)، والمَطلوبُ ع-و-ن (الوَسَطُ الحَيُّ الذي يَمُدُّ الطَّرَفَين)، أي مَن هو في ذُروةِ قُدرَتِه وفُتُوَّتِه، لا مَن فَرَغَ ولا مَن لم يَكتَمِل. غَيرَ أَنَّ الجَوابَ لم يَنتَهِ عِندَ التَّوصيف، فقد جاءَتِ الفاءُ السَّبَبيّةُ في فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾ لِتَسُدَّ البابَ الذي فَتَحَه سُؤالُهُم، والتَّوضيحُ الذي طَلَبوه أُعطِيَ لَهُم، فكُلُّ سُؤالٍ بَعدَه تَسويف. وفي هذا مَنهَجٌ قُرآنيّ: الحَدُّ الإلهيُّ يَتَوَسَّعُ بِقَدرِ ما يَستَدعي المُكَلَّف، فمَن يَقبَلُ التَّكليفَ بِيُسرٍ يَمُرّ، ومَن يُسَوِّفُ يَجِدُ الوَصفَ يَضيقُ عَلَيه حتّى لا تُطابِقَه إلّا بَقَرةٌ واحِدةٌ بِعَينِها. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«فارِض» و«بِكر» و«عَوان» هَندَسةُ حالٍ حَيٍّ في قِمّةِ قُدرَتِه، وليسَت تَفصيلاً زِراعيّاً، والأَمرُ بِالفِعلِ بَعدَ البَيانِ هو مَوضِعُ الاختِبارِ الحَقيقيّ، وليسَ ذَيلاً.