البقرة · الآية 143

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ: كافُ التشبيهِ وجَعلُ التَّحويلِ لا الإنشاءُ الابتدائيّ

كَذَٰلِكَ تُحيلُ إلى ما سَبَقَها في سِياقِ القِبلة، والمَعنى: كما نَزَعنا القِبلةَ من أن تكونَ عَلامةَ انتِماءٍ مَوروث، جَعَلناكم أُمّةً وَسَطاً. والفِعلُ جَعَلْنَا من (ج ع ل) دونَ (خ ل ق)، والخَلقُ إيجادٌ من عَدَم، والجَعلُ تَحويلُ مَوجودٍ من حالٍ إلى حال. فالأُمّةُ هنا حُوِّلَت إلى هذا المَوقِعِ بِقَرارٍ إلهيٍّ في لَحظةٍ بِعَينِها، ولم تُنشَأ وَسَطاً ابتِداءً، كما جُعِلَ البَيتُ مَثابةً وجُعِلَ إبراهيمُ إماماً فيما سَبَقَ مِنَ السّورة. وفي هذا فَرقٌ له شَأن، فالوَسَطيّةُ مَقامٌ مَشروطٌ بِدَورِها، وليسَت صِفةً جِبِلِّيّةً لازِمة، ومن هنا يَظهَرُ النَّمَط: جَعلٌ يَسبِقُ حَملَ الوَظيفة، ووَظيفةٌ تَستَوجِبُ الحِفاظَ على مَقامِ الجَعل.

(أ م م) + (و س ط): الوَسَطُ مَركَزٌ شاهِد، لا اعتِدالٌ بين طَرَفَين

و(أ م م) في نَواتِها هَمزةٌ تُؤَكِّدُ وُجوداً، وميمٌ تَجمَعُ وتَلحَم، والجَذرُ نَفسُه يُنتِجُ «الأُمّ» و«الإمام» و«الأُمّة»، وكُلُّها مَراكِزُ يَنشَدُّ إلَيها ما حَولَها. و(و س ط) في نَواتِها واوٌ تَشمَلُ وتَحتَوي، وسينٌ تَمتَدُّ بِدِقّة، ثُمَّ الطّاءُ تُحكِمُ الاشتِمالَ وتُوَسِّعُه، فالوَسَطُ في حَرفِه نُقطةٌ تَشمَلُ ما حَولَها من كُلِّ جِهة. فقَولُ «أُمّةٌ وَسَطٌ» تَكرارٌ مُؤَكِّدٌ لِمَعنى المَركَزيّة، لا مَزجٌ بَينَ فَكَّين، والمُرادُ بِالوَسَطِ هنا النُّقطةُ التي تُرى من كُلِّ جِهةٍ وتَرى كُلَّ جِهة، دونَ التَّوَسُّطِ بَينَ غُلُوَّين، ومن مَوقِعِ الرُّؤيةِ يُوَلَّدُ مَوقِعُ الشَّهادة.

(ش ه د) + حَرفُ «عَلى»: الشَّهادةُ إحاطةٌ حاكِمةٌ لا مُعايَشةٌ مُجاوِرة

لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا: الحَرفُ عَلَى في المَوضِعَينِ يَحمِلُ دَلالةَ الاستِعلاءِ والإحاطة، لا دَلالةَ المُجاوَرة. فالشَّهادةُ هنا قِيامٌ على مَوقِعٍ أعلى يَسمَحُ بِالرُّؤيةِ الجامِعةِ والحُكم، وهي غَيرُ حُضورِ الحَدَث. ومن (ش ه د) تَنبَثِقُ الشَّهادةُ بِوَجهَيها: ظُهورٌ يَملأُ الفَضاءَ (ش+ه)، وهو يَستَقِرُّ ويَمتَدُّ (د). ويَكتَمِلُ هنا البِناءُ الثُّلاثيُّ لِلشَّهادة: الأُمّةُ على النّاس، والرَّسولُ على الأُمّة، واللهُ على الكُلّ، فكُلُّ طَبَقةٍ تَستَمِدُّ مَشروعيّةَ شَهادَتِها من الطَّبَقةِ التي فَوقَها، ومن هنا تَسقُطُ شَهادةُ مَنِ انقَطَعَ عن رَسولِه، وتَسقُطُ رِسالةُ مَنِ انقَطَعَ عن رَبِّه.

إِلَّا لِنَعْلَمَ: (ع ل م) لا بِمَعنى اكتِشافِ المَجهولِ بل بِمَعنى تَمييزِ الحاصِل

وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ: الحَصرُ بِـإِلَّا يُخبِرُ أنّ القِبلةَ الأُولى كانَت أداةَ فَرزٍ مَقصودةً من البِداية، ولم تَكُن نَسخاً مُلغًى. ومَعنى (ع ل م) في سِياقِ اللهِ إظهارُ المَعلومِ الغَيبيِّ على مَسرَحِ الشَّهادةِ حتّى يَقومَ الحِسابُ على المَحسوس، دونَ اكتِشافِ شَيءٍ لم يَكُن مَعلوماً، فالعِلمُ الإلهيُّ سابِقٌ مُحيط. والمَقصودُ بِـ«نَعلَمَ» هنا أن يَتَحَوَّلَ ما كانَ مُستَتِراً في القُلوبِ إلى سُلوكٍ مَنظورٍ يَفصِلُ المُتَّبِعَ عن النّاكِص، فالقِبلةُ الأُولى مِفصَلٌ جُعِلَ لِيَفتَح، وليسَت خَطأً صُحِّح.

(ت ب ع) مُقابِلَ (ق ل ب + ع ق ب): الاتِّباعُ سَيرٌ إلى أمام، والانقِلابُ رُجوعٌ إلى الوَراء

وقابَلَتِ الآيةُ بَينَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ، والمُقابَلةُ بَينَ الجَذرَينِ دَقيقة: (ت ب ع) سَيرٌ خَلفَ دَليلٍ في نَفسِ الاتِّجاه، و(ق ل ب) + عَقِبَيْه تَصويرٌ لِلرُّجوعِ إلى الخَلفِ بِدَورانِ الجَسَدِ كُلِّه. فالمَسألةُ استِدارةٌ كامِلةٌ نَحوَ ما تُرِكَ وَراء، وهي غَيرُ القُعودِ والتَّبَطُّؤ. وعَقِبَيْهِ صيغةُ تَثنيةٍ تُحيلُ إلى أسفَلِ القَدَمَين، مَوضِعِ الدَّوَسِ على الأرضِ السّابِقة، فالنّاكِصُ على عَقِبَيه يَعودُ إلى مَكانِ الأثَرِ القَديم، ولا يَمضي إلى ما يَنفَتِحُ أمامَه. وتَحويلُ القِبلةِ في هذه القِراءةِ اختِبارٌ مَنطِقيٌّ غَيرُ عَشوائيّ: مَن كانَ على القِبلةِ الأُولى من أجلِ ما ألِف، عادَ إلَيها بِقَدَمَيه، ومَن كانَ عليها من أجلِ الله، سارَ مَعَ تَحويلِ الأمر.

وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ: الإيمانُ السابِقُ لا يُهدَر، والرَّأفةُ سابِقةٌ على الرَّحمة

والصَّلاةُ التي كانَت على القِبلةِ الأُولى قَبلَ التَّحويلِ لم تَبطُل، والإيمانُ الذي صاحَبَها لم يَذهَب. وجاءَ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ بِصيغةِ النَّفيِ المُؤَكَّدِ بِاللّام، والمَعنى أنّ ذلك لا يَقَعُ ولا يَليقُ بِه، فالتَّحويلُ يَستَنِدُ على ما سَبَقَه ولا يُصادِرُه. وخِتامُ الآيةِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ يَجمَعُ بَينَ (ر أ ف) و(ر ح م) بِتَرتيبٍ مَقصود، والرَّأفةُ في جَذرِها لُطفٌ يَسبِقُ الحاجةَ ويَرفَعُ قَبلَ وُقوعِ الأذى، والرَّحمةُ استِجابةٌ بَعدَ الحاجة. ولَمّا كانَ في تَحويلِ القِبلةِ ثِقلٌ على النُّفوسِ المُتَعَلِّقةِ بِما ألِفَت، قَدَّمَ اسمَ الرَّأفةِ لِيُخبِرَ أنّ التَّخفيفَ سابِقٌ لِلشَّكوى.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، والوَسَطيّةُ في الكَلِمةِ مَركَزٌ يُرى منه وعليه تَقومُ الشَّهادة، وهي غَيرُ الاعتِدالِ الهَشِّ بَينَ طَرَفَين، فمَن قامَ بِها شاهِداً اتَّبَع، ومَن قَرَأها انتِماءً مَوروثاً انقَلَبَ على عَقِبَيه.


حَصيلة

كافُ التَّشبيهِ في وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ تُحيلُ إلى ما سَبَقَ من نَزعِ القِبلةِ عن كَونِها انتِماءً مَوروثاً، فجَعلُ الأُمّةِ وَسَطاً يَجيءُ ثَمَرةً لِهذا الانفِصال، وليسَ ابتِداءً مُستَقِلّاً. واختيارُ الفِعلِ (ج-ع-ل) دونَ (خ-ل-ق) دَقيق، ومَعناه أنّ الوَسَطيّةَ مَقامٌ مَشروطٌ بِالوَظيفة، وليسَت صِفةً جِبِلِّيّة. وجَمعُ (أ-م-م) في الأُمّةِ يُعطي نُقطةً تَشُدُّ ما حَولَها، و(و-س-ط) في نَواتِها إحاطةٌ مُمتَدّةٌ مُشتَمِلةٌ من كُلِّ جِهة، فـ«أُمَّةٌ وَسَطٌ» تَكرارٌ مُؤَكِّدٌ لِلمَركَزيّة، لا حُلٌّ وَسَطٌ بَينَ طَرَفَين. وحَرفُ «عَلى» في شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يَحمِلُ الاستِعلاءَ والإحاطةَ دونَ المُجاوَرة، فالشَّهادةُ مَوقِعٌ أعلى، ولا تَقِفُ عِندَ حُضورٍ جانِبيّ، ويَتَراتَبُ البِناء: الأُمّةُ على النّاس، والرَّسولُ على الأُمّة. ثُمَّ يُصَرِّحُ القُرآنُ بِما يَكشِفُه تَحويلُ القِبلة: إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ﴾، وعِلمُ اللهِ هنا إظهارٌ لِلمَعلومِ الغَيبيِّ على مَسرَحِ الشَّهادة، لا اكتِشاف. والمُقابَلةُ بَينَ (ت-ب-ع) و(ق-ل-ب + عَقِبَيه) جَوهَريّة: الاتِّباعُ سَيرٌ خَلفَ دَليلٍ إلى الأمام، والانقِلابُ على العَقِبَينِ استِدارةٌ كامِلةٌ إلى ما تُرِكَ وَراءَ القَدَمَين. وخِتامُ الآيةِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ يُقَدِّمُ الرَّأفةَ على الرَّحمةِ لأنّ (ر-أ-ف) لُطفٌ يَسبِقُ الحاجةَ ويَرفَعُ قَبلَ الأذى، فمَن أثقَلَه التَّحويلُ سَبَقَتهُ العِنايةُ قَبلَ أن يَشكو.