آل عمران · الآية 107

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

«وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ»: التَّفصيلُ يَعودُ إلى الصِّنفِ الثاني

تَعطفُ الواوُ «أمّا» الثانيةَ على تفصيلِ الوجوهِ التي اسودّت، فتُكملُ المقابلةَ التي افتتحَها اليومُ السابق، ويُعرّفُ الموصولُ أصحابَه بالصلة «ابيضّت وجوههم». والبياضُ من ب-ي-ض ظُهورٌ يَنبَسِطُ على وَجهِ الشَّيءِ حتّى يَعُمَّه، وصيغةُ افعلَّ تَحملُ الدخولَ في اللونِ واشتدادَه. وتأنيثُ الفعلِ المفردِ مع جمعِ «وجوه» يَحفظُ سننَ الجمعِ غيرِ العاقل، وإضافةُ الوجوهِ إليهم تُثبتُ محلَّ الحدثِ بوصفه علامةً واقعةً عليهم.

«فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ»: الجَوابُ يَجعَلُ الرَّحمةَ حَيِّزاً مُحيطاً

والفاءُ تَربطُ صلةَ الموصولِ بجوابها، ويُقدَّمُ «في رحمة الله» على الضميرِ الآتي، وحرفُ «في» يَفتحُ الرحمةَ حيزاً يدخلُ فيه أصحابُ الوجوه. وفي ر-ح-م يَجري اللينُ إلى باطنٍ يضمُّ الداخلَ ويلتصقُ به، فتَصيرُ الرحمةُ إحاطةً تستقبلُهم، وإضافتُها إلى الله تُثبتُ مصدرَ الحيزِ وملكَه.

«هُمْ فِيهَا»: أصحابُ الوُجوهِ يُقيمونَ داخِلَ الرَّحمة

ويأتي «هم» بعدَ الخَبَرِ المقدَّمِ ليَجمعَ أصحابَ الصِّلةِ في الحُكمِ من غير أن يَذوبوا في وصفِ وجوهِهم، وظهورُ الضميرِ المنفصلِ بعدَ الجارِّ والمجرورِ يَمنَعُ التباسَ مَن يَحمِلُ الخَبَر، ويُعيدُ الأشخاصَ إلى مركزِ الجُملة. ثمّ يُعادُ الجارُّ مع ضميرِ المؤنّث في «فيها»، وأقربُ مَرجِعٍ ملفوظٍ لهذا الضميرِ «رحمة الله»، ولذلك يَنعَقِدُ الإصغاءُ على الرَّحمةِ التي سَمّاها النصُّ في أوّلِ الجَواب، فيَصيرُ مُستَقَرُّهم عَينَ ما أُضيفَ إلى الله. والتَّكرارُ يَنقُلُ الحُكمَ من دُخولِ الحَيِّزِ إلى استِقرارِهم داخِلَه.

«خَالِدُونَ»: البَقاءُ طَبيعةٌ لا تَنقَطِع

ويَختِمُ «خالدون» الجُملةَ خَبراً عن «هم». والخُلودُ من خ-ل-د اختِراقٌ نافذٌ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ ثمّ يَثبُتُ تحتَ احتِباسٍ وضَغط، فتَطولُ الإقامةُ ولا تَنفَصِلُ عن حَيِّزِها، واسمُ الفاعِلِ جَمعيٌّ يَحمِلُ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في البَقاء. والحُكمُ دوامُهم فيها على الحالِ التي يَمنَحُها هذا الوَصف، وليس لَحظةَ مساسٍ بالرَّحمة.


حَصيلة

تُكمِلُ الآيةُ تفصيلَ اليومِ فتَأخُذُ أصحابَ الوُجوهِ التي ابيضّت من العلامةِ اللونيّةِ الظاهرةِ إلى المَآل. والفاءُ تُدخِلُهم في رحمةِ الله، وتَقديمُ الحَيِّزِ يَجعَلُ الرَّحمةَ مُحيطةً بهم. ثمّ يُعيدُ «فيها» تثبيتَهم في الاسمِ الملفوظِ نفسِه، ويَأتي اسمُ الفاعِلِ «خالدون» ليَحمِلَ بَقاءً مستمرّاً. والرَّحمةُ المضافةُ إلى اللهِ هي الحَيِّزُ الذي نَصَّت عليه الآيةُ ورَدَّت إليه ضميرَها، فيَجتَمِعُ في الجُملةِ الواحِدةِ مَصدَرُ الحَيِّزِ ومُقامُ أهلِه ودَوامُهم فيه.