آل عمران · الآية 106

﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ۚ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ

«يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ»: الزَّمانُ يَفتَحُ حَدَثاً يَقَعُ على الوُجوه

يأتي «يوم» ظرفاً يَحملُ المشهدَ الآتي ويَثبتُ للتحوّلِ زمنَه. «تبيضّ» من ب-ي-ض اتصالٌ يمتدُّ في سريانٍ ثمّ يجتمعُ بثقل، وصيغةُ افعلَّ تَحملُ الدخولَ في اللونِ واشتدادَه، وهي غيرُ تفعيلِ الحدثِ في مفعول. و«وجوه» جمعٌ نكرةٌ يكونُ فاعلَ التحوّل؛ فاللونُ حدثٌ يَقعُ في وجوهٍ في ذلك اليوم ويَظهرُ عليها علامةً.

«وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ»: السَّوادُ يَقومُ في الوَجهِ المُقابِل

تَعطِفُ الواوُ فعلاً على فِعلٍ ووجوهاً على وجوهٍ، فيَنتَظِمُ المَشهدُ في مُقابَلةٍ صَرفيّةٍ ظاهرة. «تسودّ» من س-و-د حَصرٌ وضِيقٌ يَتَّصِلُ في امتِدادٍ مَمدودٍ ثمّ يَثبُتُ تحتَ ضَغط، وصيغةُ افعَلَّ تَجعَلُ السَّوادَ صَيرورةً ظاهرةً في الوُجوه. والتَّنكيرُ يَفتَحُ الصِّنفَينِ قبلَ أن تَشرَعَ الآيةُ في تفصيلِ أحدِهما، فيَبقى اللونانِ حَدَثَينِ يَقَعانِ في اليومِ المذكورِ ويَنتَظِرانِ ما يُفَصِّلُهما من الأفعال.

«فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ»: التَّفصيلُ يَربِطُ الصِّنفَ بفِعلِه

تَجيءُ الفاءُ بنتيجةِ المشهد، وتَفتحُ «أمّا» تفصيلاً للصنفِ الذي اسودّت وجوهُه. ويَنتقلُ النظمُ من نكرةِ «وجوه» إلى موصولٍ تُعرّفه الصلة، ثمّ يضيفُ الوجوهَ إلى ضميرِ أصحابها. فالاسمُ الموصولُ يَربطُهم بما وقعَ على وجوههم، والخطابُ التالي يَكشفُ السببَ من أفعالهم؛ لذلك يَبقى التفصيلُ في مسارِ الفعلِ المسؤولِ عن العلامة.

«أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ»: الاستِفهامُ يَكشِفُ الانقِلابَ بعدَ الثِّقة

تَدخُلُ همزةُ الاستِفهامِ على «كفرتم» فتُواجِهُهم بفِعلٍ تامّ. الكُفرُ من ك-ف-ر كَتمٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في الحَجب. ويأتي «بعد» لِيَضَعَه وراءَ إيمانٍ أُضيفَ إليهم، فيَشتَدُّ السُّؤالُ لأنَّ الحَجبَ لَحِقَ الثِّقةَ ولم يَسبِقها. وترتيبُ الكُفرِ بعدَ الإيمانِ هو العِلّةُ الملفوظةُ في السُّؤال، فمنه وحدَه يَستَمِدُّ الاستِفهامُ ثِقَلَه.

«فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ»: الذَّوقُ يَصِلُ الجَزاءَ بالاستِمرار

تَربِطُ الفاءُ السُّؤالَ بالأمرِ «ذوقوا». الذَّوقُ من ذ-و-ق إبرازٌ يَتَّصِلُ في امتِدادٍ ثمّ يَنقَطِعُ عندَ بُلوغِ الأثَر، فيَجعَلُ العذابَ خِبرةً تُباشَر. والباءُ سَببيّةٌ تَصِلُه بـ«ما كنتم تكفرون». دخولُ «كنتم» على المضارعِ يَحمِلُ امتِدادَ الحَجبِ في حالِهم، فلا يُسنَدُ الجَزاءُ إلى لونِ الوجهِ بل إلى ما كانوا يَفعلون. الوَصفُ الظاهرُ علامةٌ في اليوم، والسَّببُ فِعلٌ صَريح.


حَصيلة

تَضعُ الآيةُ تحوُّلَ الوُجوهِ في يومٍ معلومٍ داخلَ العبارة، وتُقيمُ بينَ البياضِ والسَّوادِ مُقابَلةَ حَدَثٍ لا تَقسيمَ خِلقة. ثمّ تُفصِّلُ أصحابَ الوُجوهِ التي اسودّت، فتَسألُهم عن كُفرٍ جاءَ بعدَ إيمانِهم، وتَربِطُ ذَوقَ العذابِ بما كانوا يَستمِرّونَ فيه من الحَجب. بذلك يَنقُلُ النَّظمُ القارئَ من العلامةِ على الوجهِ إلى الفِعلِ المسؤولِ عنها، فيَصيرُ مِيزانُ ذلك اليومِ كُفراً جاءَ بعدَ إيمانٍ ودامَ عليه أصحابُه.