آل عمران · الآية 42

﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

«يَا مَرْيَمُ»: الاسمُ الذي سَمَّتْه الأُمُّ صارَ مُخاطَباً

سَمَّتْها أُمُّها مريمَ في الآيةِ السادسةِ والثلاثين، وهنا يَحمِلُ النداءُ الاسمَ نَفسَه إلى صاحبتِه: «يا مريم»، وما كانَ إعلاناً من الأُمِّ صارَ عُنواناً يَبلُغُ الفتاةَ في خِطابِ الملائكة. والنداءُ يَفتَحُ السَّمعَ قبلَ أن يَذكُرَ الاختيار.

«اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ»: اختيارٌ يُحيطُ بالتَّطهير

وتَكَرَّرَ «اصطفاك» قبلَ «طهَّرك» وبعدَه. والاصطِفاءُ من ص-ف-و، وهو فَصلٌ نافِذٌ يَستَخرِجُ الصَّفوَ ويَصِلُه بمَقصِدِه، والتَّطهيرُ من ط-ه-ر غِطاءٌ عَريضٌ يَفتَحُ مَجرى النَّفَسِ ثمّ يُجري الأثَر، وصيغةُ التفعيلِ فيه تَحمِلُ شُحنةً مُستَدامةً مُتَكَرِّرة. فالتَّطهيرُ واقِعٌ في قَلبِ اختيارَين، وليس جُملةً جانبيّة.

«عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ»: الاختيارُ يأخُذُ مَوقعاً

ويَنتَقِلُ الاصطِفاءُ الثاني إلى «على»، فيَجعَلُ للاختيارِ مَوقعاً نِسبيّاً بينَ نساءِ العالمين. والعالمونَ من ع-ل-م، وأصلُه حُقولٌ يَظهَرُ ما في عُمقِها ويَمتَدُّ حتى يَتَجَمَّعَ علامةً. والآيةُ تَضَعُ مريمَ في المَوقعِ الذي سمّاه الخِطاب، ولا تَذكُرُ سبباً خارِجَ أفعالِها الثلاثة.

من العِنايةِ المَرويّةِ إلى الخِطابِ المَسموع

وقد كانت الآياتُ السّابقةُ تَروي قَبولَ مريمَ وإنباتَها وكَفالتَها ورِزقَها، وهي هنا المُخاطَبة، فما جَرى حولَها لا يَبقى خَبراً يَعرِفُه القارئُ وحدَه، ويَبلُغُها النِّداءُ باسمِها وتُنسَبُ الأفعالُ إلى اللهِ أمامَ سَمعِها. وبهذا تَنتَقِلُ العِنايةُ من مَسارٍ يَحمِلُها إلى مَسؤوليّةِ تَلَقّي ما يُقالُ لها، ويَصيرُ الاسمُ الذي مَنَحَته أُمُّها باباً لِخِطابٍ يَضَعُها في مَوقِعٍ جديد.

والاصطِفاءُ الأوّلُ يَصِلُ إلى مريمَ مُباشَرةً، ثمَّ يَمرُّ بالتَّطهير، ثمَّ يَعودُ اصطِفاءً مَوضوعاً في عَلاقةٍ معَ نساءِ العالمين. فالمَنزلةُ لا تَقفُزُ فوقَ التَّطهيرِ ولا تَنفَصِلُ عنه، وما يُرفَعُ إلى مَوقِعٍ يَحمِلُ في قَلبِه عَمَلَ التَّنقيةِ المُستَدام. وكُلُّ الأفعالِ تَبقى آتيةً من اللهِ وواقِعةً على المُخاطَبة، فلا يُحوَّلُ الاختيارُ إلى دَعوى تَصنَعُها لِنَفسِها أو مِلكٍ يَستَغني عن مَصدَرِه.

ولذلك لا يَعمَلُ «على» وَحدَه في الآية، فقد سَبَقَه «اصطفاك وطهّرك»، والمَوقِعُ النِّسبيُّ خاتِمةُ حَرَكةٍ بَدأَت بالاختيارِ وعَبَرَت بالتَّطهير، وليس اختِصاراً للحَرَكةِ في تَفضيل. ويُبقي ذِكرُ «العالمين» المَنزلةَ داخِلَ مَجالٍ أَوسَعَ من الذّات، فما أُعطِيَ لها يَظهَرُ علامةً في عالَم، ويَحمِلُ ثِقَلَ المَوقِعِ الذي سُمِّيَ لها.


حَصيلة

يَعودُ اسمُ مريمَ إليها نداءً، ثمّ تُبنى الجُملةُ على اختيارٍ يَحتَوي تَطهيراً مُستَداماً ويَعودُ اختياراً ذا مَوقع. والتَّكرارُ يَنقُلُ الاصطِفاءَ من فِعلٍ واقِعٍ عليها إلى مَنزلةٍ بينَ نساءِ العالمين، فلا يُعيدُ اللفظَ فارغاً.