آل عمران · الآية 58

﴿ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ

«ذَٰلِكَ»: ما مَضى يُجمَعُ في مُشارٍ إليه واحِد

تَبدأُ الآيةُ باسمِ الإشارةِ المفرد، مع أنّ ما سبقَ امتدَّ أقوالاً وأفعالاً وحكماً، ويَجمعُ «ذلك» المسارَ كلَّه في مشارٍ إليه واحد، ويَمنحُ بُعدُ الإشارةِ مسافةً للنظرِ إليه بعدَ اكتماله. ثمّ تَنقلُ الآيةُ هذا المذكورَ من مقامِ المرويِّ إلى مقامِ ما يُتلى؛ فالإشارةُ مفصلٌ يَضمُّ ما مضى ويُهيّئه لبيانِ مصدره وطبيعته.

«نَتْلُوهُ عَلَيْكَ»: التِّلاوةُ صِلةٌ مُتَتابِعةٌ تَبلُغُ المُخاطَب

ويَنتَقِلُ الكلامُ إلى ضَميرِ الجَمعِ في «نتلوه»، فيُنسَبُ فِعلُ التِّلاوةِ إلى الله من داخِلِ النَّص، ولا تُستَورَدُ له واسِطةٌ لم تَذكُرها الآية. والتِّلاوةُ من ت-ل-و لِقاءٌ دَقيقٌ يَعقُبُه لِقاءٌ ويَتَّصِلُ بِه، فتَتَوالى الأجزاءُ مَوصولة. والضَّميرُ «ه» يُعيدُ هذا الفِعلَ إلى «ذلك»، فيَصيرُ المَسارُ المَجموعُ هو المَتلوَّ. وأمّا «عليك» فتُسمّي مَحلَّ وُصولِ التِّلاوة: يَبلُغُ القولُ مُخاطَباً يَقَعُ عليه أَثَرُه، ولا يَمرُّ في فَراغ.

«مِنَ الْآيَاتِ»: المَتلوُّ يَنتَسِبُ إلى جِنسِ الدَّلالات

وتأتي «من» بعدَ الفعلِ لتُبيّنَ الجنسَ الذي يَخرجُ منه هذا المتلوّ: الآيات. فهي تَضعُ «ذلك» داخلَ مجالِ العلاماتِ الأوسع، والآيةُ تَنقلُ النظرَ من حضورِها إلى ما تدلُّ عليه. والجمعُ يُخرجُ المرويَّ من عزلته، و«من» تَحفظُ له موضعاً بينَ علاماتٍ كثيرة، وبذلك يُقرأُ المسارُ السابقُ بوصفهِ دالاً ممتدَّ الأثرِ بعدَ انقضاءِ حوادثه.

«وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ»: ما يُحضِرُ لا يَنفَصِلُ عن إحكامِه

وتَصلُ الواوُ «الذكر» بالآيات. والذكرُ من ذ-ك-ر بروزٌ يَمسُّ المحلَّ، ثمّ يُمسكُ في احتباسٍ ويَجري أثرُه مسترسلاً، فيُحضرُ ما كادَ يغيب. ثمّ يَصفُه «الحكيم»، وفي ح-ك-م يَضيقُ الحيّزُ حولَ المعنى، ويَمسكُه الكافُ في باطنه، ثمّ تَجمعُ الميمُ أجزاءَه في بنيةٍ محكمة. ووزنُ «فعيل» يَجعلُ هذا الإحكامَ راسخاً في الذكرِ نفسه، فيَحفظُ ما يُتلى من التفكّك.


حَصيلة

بكلمةِ «ذلك» تَضمُّ الآيةُ المَسارَ السّابقَ في وَحدةٍ يُمكِنُ الإشارةُ إليها، ثمّ تَكشِفُ أنّ هذه الوَحدةَ تُتلى من الله على مُخاطَبِها. والتِّلاوةُ تُتابِعُ أجزاءَها حتى تَصِل، و«من الآيات» تَمنَحُها مَوقعَها في جِنسِ الدَّلالة. ثمّ يَجمعُ العَطفُ بينَ العلامةِ والذِّكر، أي بينَ دَلالةٍ تُحضِرُ ما قد يَغيب، وذِكرٍ يَحمِلُ إحكامَه في بِنْيتِه، فلا يَنفَصِلُ المَذكورُ عن مَصدَرِ تِلاوتِه، ولا دَلالتُه عن ذِكرِه، ولا ذِكرُه عن صِفةِ الإحكام.