آل عمران · الآية 69

﴿وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

«وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»: التَّبعيضُ يَمنَعُ تَعميمَ الإرادة

تَبدأُ الآيةُ بفِعلِ الوُدِّ ثمّ تُسنِدُه إلى «طائفة». والوُدُّ من و-د-د، وأصلُه عَقدٌ يُحيطُ بِالشَّيءِ، ثمّ يَثبُتُ تحتَ ضَغطٍ ويُضاعِفُ التَّكرارُ إمساكَه، فهو رغبةٌ استَقَرَّت في صاحِبِها. والطّائفةُ من ط-و-ف، ومادّتُه سَيرٌ يَغشى الشَّيءَ من جَوانِبِه ويَدورُ بِه، والطّائفةُ في الآيةِ جُزءٌ يَتميَّزُ عن الكُلّ. وتأتي «من» قبلَ أهلِ الكتابِ فتُثبِتُ التَّبعيض، أي أنّ الفِعلَ لِطائفةٍ منهم، لا لكلِّ مَن يَدخُلُ تحتَ الاسم، وهذا الحَدُّ اللفظيُّ أصلٌ في أمانةِ القِراءة، فلا يُمحى حينَ يُنقَلُ الحُكم.

«لَوْ يُضِلُّونَكُمْ»: الرَّغبةُ تَتَّجِهُ إلى نَقلِ الضَّلال

و«لو» تَصِلُ الوُدَّ بمَوضوعِه، وهو أن يُضِلّوا المُخاطَبين. والضَّلالُ من ض-ل-ل، ومَعناه ضَمٌّ ثَقيلٌ يَمتَدُّ مُتَعَلِّقاً بمَجرى، ثمّ يَستَقِلُّ الحَرفُ المُكَرَّرُ بالوِجهةِ حتى تَبتَعِدَ عن مَقصِدِها. وصيغةُ الإفعالِ تَجعَلُ الفِعلَ مُتَعَدِّياً، فالمَذكورُ أن يُوقِعوا الحَرَكةَ في «كم»، زيادةً على أن يَضِلَّ الفاعِلونَ أنفُسُهم. و«لو» تُبقي ذلك في حَيِّزِ ما وَدّوه، فلا تُساوي بينَ الرَّغبةِ وبينَ نجاحِها، والجُملةُ التاليةُ هي التي سَتزِنُ الأَثَرَ الواقعَ وتُعيدُ وِجهتَه.

«وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ»: الفِعلُ يَرتَدُّ إلى أَقرَبِ مَحل

وتَستأنِفُ الواوُ نَفياً يُعيدُ الفِعلَ نَفسَه: «ما يضلّون»، ثمّ يَأتي الاستِثناءُ «إلا أنفسهم»، فيَحصُرُ مَحلَّ الأَثَرِ في الفاعِلين. والنَّفسُ من ن-ف-س، وهي احتِواءٌ جوفيٌّ يَفتَحُ شَقّاً ضَيِّقاً يَنفُذُ منه الأَثَر، ثمّ يَجري في مَجرىً دَقيقٍ مُتَّصِل. والجَمعُ يَرُدُّ كلَّ فِعلٍ إلى أَنفُسِ أصحابِ الطّائفة، لا إلى اسمِهم الجَماعيِّ وحدَه. وهكذا تُقابِلُ البِنيةُ بينَ «يضلّونكم» بوَصفِه مَرغوباً، و«إلا أنفسهم» بوَصفِه الأَثَرَ المَحصورَ الذي تُثبِتُه الجُملة.

«وَمَا يَشْعُرُونَ»: نَفيُ الإدراكِ يَشرَحُ الفَجوةَ بينَ القَصدِ والأَثَر

والواوُ تَصِلُ ارتِدادَ الأَثَرِ بنَفيِ الشُّعور. والشُّعورُ من ش-ع-ر، ومَدارُه على ضَمٍّ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَجري في لَمسَةٍ رَقيقةٍ تَمسِكُ الأَثَر، فهو إدراكٌ دَقيقٌ يَبلُغُ صاحِبَه من داخِلِ الحِسّ. والفِعلُ مُضارِعٌ جَمعيّ، غَيرَ أنّ «ما» تَنفي حُصولَه في المَشهَد. والمُفارَقةُ أنّ الفِعلَ عادَ إلى أَنفُسِهم وهم لا يَشعُرونَ بهذا العَود، وليست في أنّهم وَدّوا شيئاً ففَشِلوا فيه وحدَه. ولا تُضيفُ الآيةُ سَبباً نَفسيّاً لهذا الغِياب، وتَكتفي بإثباتِ الفَجوةِ بينَ ما قَصَدوا وما أَدرَكوا.


حَصيلة

تَضبِطُ الآيةُ الحُكمَ منذُ أوّلِه بطائفةٍ «من» أهل الكتاب، فتَمنَعُ التَّعميمَ قبلَ أن تَشرَحَ الفِعل. وقد وَدَّتِ الطّائفةُ أن تَنقُلَ الضَّلالَ إلى المُخاطَبين، غَيرَ أنّ النَّفيَ والاستِثناءَ يَردّانِ الأَثَرَ إلى أَنفُسِ الفاعِلين، ثمّ يَأتي نَفيُ الشُّعورِ ليَكشِفَ أنّ ارتِدادَ الفِعلِ لا يَصيرُ مَعلوماً لهم لمُجرَّدِ وقوعِه. فالمَسارُ يَبدأُ برَغبةٍ تَتَّجِهُ إلى الخارِج، ويَنتهي بأَثَرٍ داخِليٍّ لا يُدرَك، مع بَقاءِ الحُكمِ مَحصوراً في الطّائفةِ التي سَمّاها النَّص.