آل عمران · الآية 72

﴿وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

«وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ»: التَّبعيضُ يَضبِطُ قائِلَ الخُطّة

والواوُ تَصِلُ هذا القولَ بما سَبَقَ من نِداءِ أهلِ الكتاب، غيرَ أنّ الفاعِلَ لم يأتِ بالاسمِ كُلِّه، والآيةُ تقولُ «طائفةٌ من» أهلِ الكتاب. والطّائفةُ من ط-و-ف، وأصلُها سَيرٌ يَغشى الشَّيءَ من جَوانِبِه ويَدورُ بِه، والطّائفةُ جُزءٌ يَتَمَيَّزُ من جَمعٍ أوسَع. و«من» تُثبِتُ هذا التَّبعيضَ، فلا يَجوزُ مَحوُها وتَوزيعُ القولِ على الجميع. وجاءَ الفِعلُ ماضياً، ونُقِلَ بعدَه كلامُ الطّائفةِ مُباشَرةً بلَفظِه، فتَحمِلُ الآيةُ الخُطّةَ كما صاغَها أصحابُها، ويَبقى وَزنُها مَقروءاً من نَصِّها الذي حَكَته.

«آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا»: أَمرٌ بالثِّقةِ يُحاكي لَفظَ أهلِها

ويَبدأُ القولُ بأَمرِ الجَمعِ «آمنوا»، ثمّ يَصِلُه بالباءِ إلى «الذي أُنزِل». والإيمانُ من أ-م-ن: تَهَيُّؤٌ مَضغوطٌ يَجتَمِعُ في احتِواءٍ داخِليّ، ثمّ يَنبَعِثُ من الباطِنِ إلى الظّاهِر. ومَحَلُّ النَّظَرِ هنا أنّ اللَّفظَ وَقَعَ أَمراً مُوَقَّتاً داخِلَ خُطّةٍ مَرسومة، فطُلِبَ الطَّرَفُ الظّاهِرُ من الحَرَكةِ وحُدَّ بأوّلِ النَّهار، على حينِ أنّ الجِذرَ يَبدأُ من الدّاخِلِ ولا يُقَيَّدُ بساعةٍ من يَوم. والإنزالُ من ن-ز-ل، وهو احتِواءٌ يَكتَنِزُ فيه المَعنى ثمّ يَمتَدُّ إلى مَحلِّ تلقّيه. وأمّا الذين وقعَ عليهم الإنزالُ فقد عُرِّفوا بالفعلِ نَفسِه: «الذين آمنوا»، وهذا التَّكرارُ يَجعَلُ الأَمرَ يُحاكي لَفظَ الثِّقةِ التي يَحمِلُها المُخاطَبونَ المقصودونَ بالخُطّة.

«وَجْهَ النَّهَارِ»: الثِّقةُ تُقيَّدُ ببِدايةٍ ظاهِرة

ويُقيَّدُ الأَمرُ بـ«وجه النهار»، ولا يُترَكُ بلا توقيت. والوَجهُ من و-ج-ه: عَقدٌ يُحيطُ بحُضورٍ ثمّ يَجتَمِعُ ويَبرُز، وتَفتَحُ الهاءُ له مَجرىً يَظهَرُ فيه، فهو الجِهةُ الظّاهِرةُ التي يَستَقبِلُ بها الشيءُ غَيرَه، وإضافتُه إلى النَّهارِ تَجعَلُه مَدخَلَه وبِدايتَه التي تُواجِهُ الآتي. ولذلك يَصِفُ القولُ فِعلاً مَحدوداً بأوّلِ المَجالِ الزَّمني، ولا يَصِفُ ثِقةً مُستَقِرّة.

«وَاكْفُرُوا آخِرَهُ»: الحَرَكةُ الثانيةُ تَنقُضُ الأُولى في المَجالِ نَفسِه

وتأتي الواوُ بأَمرٍ ثانٍ يُقابِلُ الأوّل: «واكفروا». والكُفرُ من ك-ف-ر، وأصلُه كَتمٌ يُمسِكُ ثمّ يُفَرِّقُ ويُبعِد، ويَمتَدُّ الحَجبُ في جَريانِه. والضَّميرُ في «آخره» يَعودُ إلى النَّهار، فيُقيمُ طَرَفاً زَمنيّاً يُقابِلُ وَجهَه: في البِدايةِ أَمرٌ بالثِّقة، وفي النِّهايةِ أَمرٌ بالتَّغطية. والأَمرانِ مَحكيّانِ قَولاً واحِداً لطائفةٍ رَتَّبَت التَّناقُضَ في يَومٍ واحِد، أَوّلُهما في وَجهِ النَّهارِ وثانيهما في آخِرِه، والقائِلُ فيهما واحِد.

«لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ»: الغايةُ رَجوعُ الآخَرينَ لا ثَباتُ القائِلين

وتَختِمُ «لعلّ» القولَ برجاءٍ لا بضَمانِ نتيجة. والرُّجوعُ من ر-ج-ع: جَريانٌ يَتَجَمَّعُ في نُقطةِ عَودٍ ثمّ يَخرُجُ منها إلى ما كانَ عليه أَوّلاً. والضَّميرُ في «يرجعون» يَعودُ إلى الذين آمنوا، لا إلى الطّائفةِ صاحبةِ الأَمرَين، فالتَّتابُعُ الزَّمنيُّ مَقصودٌ لأَثَرٍ في غيرِ الفاعِل، وهو أن يَرَوا ثِقةً في الأوّلِ وتَغطيةً في الآخِر، فلعلّهم يَعودونَ عن وِجهتِهم. على أنّ «لعلّ» تُبقي ذلك غايةً مُتَوَقَّعة، ولا تُخبِرُ بأنّ الرُّجوعَ وقعَ أو نَجَحَت خُطّتُه.


حَصيلة

تَحصرُ الآيةُ القولَ في طائفةٍ من أهل الكتاب، ثمّ تَنقُلُ خُطّتَها في أَمرَينِ مُتَعاكِسَينِ يَحتَوِيهما يومٌ واحد: ثِقةٌ عندَ وَجهِ النَّهار، وتَغطيةٌ عندَ آخِرِه. ويَتَكرَّرُ لَفظُ الإيمانِ بينَ الأَمرِ والذين آمنوا، ثمّ يَقطَعُه الكُفرُ في الطَّرَفِ المقابِل. والمَقصودُ بالغايةِ إحداثُ رُجوعٍ في الآخَرين، وليست وَصفاً لحالِ الطّائفةِ في ذاتِها. غيرَ أنّ أداةَ التَّرَجّي تَمنَعُ الغايةَ من أن تَصيرَ نتيجةً مُثبَتة، فتَبقى الخُطّةُ قولاً ومَقصِداً لا خَبراً عن نجاح.