آل عمران · الآية 82

﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

«فَمَن»: المَشهدُ الطَّويلُ يَصيرُ مِعياراً مُختَصَراً

الفاءُ تَبني على الميثاقِ والإقرارِ والإشهادِ الذي سَبَق، دونَ أن تَفتَحَ موضوعاً مُنفَصِلاً. وتأتي «مَن» شَرطيّةً فتَجعَلُ البابَ مُتَعَلِّقاً بالفعلِ لا بالاسمِ أو النَّسَب، فكلُّ مَن يَحمِلُ الشَّرطَ يَدخُلُ في الجَواب، من غيرِ أن تَسمّي الآيةُ فَرداً أو جَماعةً من خارِجِها. وعلى هذا النحوِ يَتحَوَّلُ المَشهدُ الطويلُ في الآيةِ السابقةِ إلى مِعيارٍ مُختَصَر: الرّابِطةُ ثَبَتَت، والإقرارُ وَقَع، والشَّهادةُ حَضَرَت، ثمّ يُنظَرُ إلى مَن يَختارُ الحَرَكةَ التي يَصِفُها الشَّرط.

«تَوَلَّىٰ»: الحَرَكةُ تَفُكُّ الوِجهةَ بعدَ قُرب

والتَّولّي من و-ل-ي، وأصلُه إحاطةٌ تَتَّصِلُ وتَتَعَلَّقُ بوِجهةٍ، ثمّ تَمتَدُّ في لِينٍ وسَريان. غيرَ أنّ صيغةَ التَّفعُّلِ هنا تَجعَلُ الفاعِلَ يُدخِلُ نَفسَه في حَرَكةِ التَّحوُّل، فيَنقَلِبُ القُربُ إلى إعراض. وجاءَ الفِعلُ ماضياً داخلَ الشَّرط، فيَعرِضُ الحَرَكةَ مُنجَزةً من صاحبِها. وقد وَضَعَته الآيةُ حَيثُ يَتَبَيَّنُ مَعناه، في قولِه «بَعدَ ذلك»، أي بعدَ رابِطةٍ مَأخوذةٍ وإقرارٍ مُعلَن، فالتَّولّي مَوصوفٌ بمَوقِعِه من الميثاقِ لا بمِقدارِه.

«بَعْدَ ذَٰلِكَ»: التَّوَلّي يَقَعُ بعدَ ثُبوتِ الرّابِطة

ومادّةُ ب-ع-د اتِّصالٌ يَخرُجُ من مَحلِّه، ثمّ يَظهَرُ من عُمقِ المسافةِ ويَثبُتُ عندَ حدٍّ مُنفَصِل. و«بعد» هنا مُتَعَلِّقٌ باسمِ الإشارةِ «ذلك»، غيرُ آتٍ وحدَه، فيَعودُ الإشعارُ إلى الميثاقِ بما فيه من عَطاءٍ وتَصديقٍ وإيمانٍ ونَصرٍ وإقرارٍ وشَهادة. واستَغنى النصُّ عن إعادةِ السِّلسلة، لأنّ «ذلك» تَحمِلُها مُجتَمِعة. وبذلك يكونُ التَّولّي حَرَكةً موضوعةً بعدَ المَشهدِ الذي ثَبَتَت فيه الرّابِطة، وليسَ جَهلاً قبلَ البيان.

«فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ»: الجَوابُ يُثبِتُ الوَصفَ ويَفصِلُه

وتأتي فاءُ الجَوابِ فتَنقُلُ «مَن» المفرَدةَ في لَفظِها إلى «أولئك» بحسبِ عُمومِ معناها، ثمّ يَفصِلُ الضميرُ «هم» فيُشَدِّدُ انطِباقَ الوَصفِ على أصحابِ التَّولّي. والفِسقُ من ف-س-ق، وهو انفِتاحٌ ضَيِّقٌ يَنفُذُ ويُبعِدُ، ثمّ يَجتَمِعُ في عَقدةٍ داخليّةٍ تَخرُجُ عن الحَدّ. و«الفاسقون» اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ الخُروجَ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً، غيرَ نُعوتٍ موروثة، ومَصدَرُ الوَصفِ هو الفِعلُ المَذكور: التَّولّي بعدَ ذلك.


حَصيلة

تَختَصِرُ الآيةُ الميثاقَ السابقَ في شَرطٍ وجَواب. والفاءُ تَصِلُ الحُكمَ بما ثَبَت، و«مَن» تَجعَلُه مفتوحاً لكلِّ فاعِل. وأمّا الفِعلُ فهو تَولٍّ يَأتي «بعد ذلك»، أي بعدَ الرّابِطةِ والإقرارِ والإشهادِ التي يَحمِلُها اسمُ الإشارة، ثمّ يَأتي الجَوابُ باسمِ الإشارةِ والضميرِ الفاصِلِ ليُثبِتَ وصفَ الفِسقِ على أصحابِ هذه الحَرَكة. والوَصفُ يَتَوَلَّدُ من انصِرافٍ تالٍ لعَهدٍ مَشهود، ولا يَنطلِقُ من هُويّة.