آل عمران · الآية 83

﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

«أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ»: الاستِفهامُ يُقَدِّمُ الجِهةَ المَطلوبة

تَجتمعُ الهمزةُ والفاءُ فتَجعلانِ السؤالَ نتيجةً لما سبقَ من الميثاقِ والتولّي، ويُقدَّمُ «غيرَ دينِ الله» على الفعل، فيقعُ الضوءُ على الجهةِ البديلةِ قبلَ البحث. وفي «يَبغونَ» تَخرُجُ الباءُ عن مَوضِعٍ قائم، وتَغورُ الغَينُ في طَلَبِ ما استَتَرَ خَلفَه، وتَمُدُّ الياءُ هذا الطَّلَبَ إلى مَقصِدٍ لم يَبلُغْه بَعد، فالبَغيُ في هذه الجُملةِ حَرَكةٌ لا تَستَقِرُّ في مَوضِعِها. والمَفعولُ الذي قَدَّمَته الآيةُ هو نَفسُه ما يَغورُ إليه الطَّلَب، وهو جِهةٌ عُرِّفَت بأنَّها «غيرُ» دينِ الله، فوُصِفَت بمُفارَقةِ ما تُفارِقُه. والمُضارِعُ يَعرِضُ أصحابَ الطَّلَبِ في أثناءِ حَرَكتِهم، ثمّ يَضَعُ الاستفهامُ حَرَكَتَهم هذه في مُواجهةِ مَشهدٍ مُستَقِرٍّ يَأتي بَعدَها.

«وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: تَسليمٌ سابِقٌ قائِمٌ حَولَ السّائِلين

وقُدِّمَ «له» على الفِعل، فصارَتِ الوِجهةُ سابقةً على ذِكرِ مَن أَسلَم. وفي «أَسلَمَ» تَجري السِّينُ في مَجرىً مُحكَمِ الضِّيق، وتَتَعَلَّقُ اللامُ بما يَجري إليه فتَحوزُه، وتَضُمُّ الميمُ الأمرَ في حالٍ مُتَلاصِقةٍ لا تَتَفَكَّك، فالتَّسليمُ هنا اتِّجاهٌ يَنتَهي إلى حالٍ مُقيمةٍ، لا إلى فِعلٍ عابِر. وصيغةُ الإفعالِ تُدخِلُ صاحبَها في الوِجهةِ إدخالاً، والماضي يُثبِتُ الوُقوعَ قَبلَ زَمَنِ السُّؤال، فهو تَسليمٌ سابِقٌ قائمٌ حَولَ السائلينَ وهم يَسألون. و«مَن في السماوات والأرض» موصولٌ يَستَغرِقُ كُلَّ ساكِنٍ في الحَيِّزَينِ بلَفظٍ واحِد، فتَبقى الآيةُ على سَعَةِ ما صاغَته: فِعلٌ واحِدٌ ووِجهةٌ واحِدةٌ لِكُلِّ مَن دَخَلَ تحتَ هذا الموصول.

«طَوْعًا وَكَرْهًا»: حالانِ مُتقابِلانِ لا تَترُكانِ خارِجاً ثالثاً

والمصدرانِ حالانِ يبيّنانِ كيفيةَ التسليم. وفي الطوعِ تَحمِلُ ط-و-ع انبِساطاً يَنقادُ فيَجري مَعَ غَيرِه في مَسلَكٍ مَحدود، وأمّا الكرهُ فيَجري فيه ك-ر-ه كتماً يَفتحُ للنفسِ مخرجاً مثقلاً. والواوُ تَجمعُ الحالينِ تحتَ الفعلِ نفسه، فتختلفُ كيفيةُ الدخولِ وتَبقى وجهةُ التسليمِ لله واحدة.

«وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ»: الخِتامُ يَرُدُّ المَسارَ إلى غايته

وقُدِّمَ «إليه» كما قُدِّمَ «له»، فيَتَجاوَبُ الاتِّجاهان: له التَّسليمُ وإليه الرُّجوع. والرُّجوعُ من ر-ج-ع، وأصلُه جَريانٌ يَمتَدُّ مُستَرسِلاً، ثمّ يَنجَمِعُ في مَحَلٍّ، ثمّ يَبدو من عُمقِه مُنعَطِفاً إلى حَيثُ ابتَدَأ، وهذا الانعِطافُ هو الذي جَعَلَ «إليه» مُقَدَّماً مَرّةً ثانية. والفِعلُ مبنيٌّ للمجهول، فيَقَعُ الرُّجوعُ عليهم لا بهم، أي هو حَدَثٌ يُساقونَ فيه إلى الجِهةِ التي طَلَبوا غَيرَها، والمضارعُ يَحمِلُ الحَرَكةَ إلى أمامِ الخِطاب. وعلى هذا يَضيقُ مجالُ سؤالِ البداية: يَقَعُ طَلَبُ غيرِ دينِ الله بينَ تَسليمٍ شاملٍ له ورُجوعٍ مُتَّجِهٍ إليه.


حَصيلة

يَسألُ النَّظمُ عن طَلَبِ غيرِ دينِ الله، ثمّ يَضَعُ الطَّلبَ داخلَ مَشهدٍ يَشمَلُ السماواتِ والأرض، وعُدِلَ في الجوابِ عن التَّعريفِ المُجرَّد إلى هذا المشهد. والوِجهةُ مُقَدَّمة: «له» أَسلَمَ مَن فيهما، سواءً جرى التَّسليمُ طَوعاً أو كَرهاً، ثمّ تُقَدَّمُ الوِجهةُ مرّةً أُخرى: «إليه» يُرجَعون. فالبدايةُ طَلَبٌ يَبحثُ عن غير، والوَسطُ تَسليمٌ لا يَتَغَيَّرُ مَقصِدُه باختلافِ الحال، والخِتامُ رُجوعٌ إلى الجِهةِ نَفسِها.