الهمزة · الآية 8

﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ

«إنَّها»: الضَّميرُ الذي يَعودُ على النّارِ بحَضرَةِ الجَواب

الضَّميرُ في «إنَّها» يَستَدعي ما سُمِّيَ في الآياتِ السّابِقة، فالنّارُ التي ذُكِرَت بِاسمِها (الحُطَمَة)، ثُمَّ بِنَسَبِها (نارُ الله)، ثُمَّ بِصِفَتِها (المُوقَدَة)، ثُمَّ بِفِعلِها (التي تَطَّلِعُ على الأَفئِدَةتَأتي الآنَ بِضَميرٍ مُؤَنَّث: إنَّها. وكَأنَّ السّورةَ سَمَّت ووَصَفَت بِما يَكفي، فلم يَعُدْ يَلزَمُها أن تُكَرِّرَ الاسم، وصارَ الضَّميرُ كافِياً.

وفي «إنَّ» تَأكيدٌ خاصّ، فالجُملةُ الاسمِيّةُ المُؤَكَّدةُ بِـ«إنَّ» تُلقى في وَجهِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنه إنكارٌ أو تَرَدُّد. وكَأنَّ السّورةَ تَتَوَقَّعُ في صَدرِ الذي يَسمَعُها، مِنّا أو مِن غَيرِنا، رَغبةً خَفِيّةً في تَخفيفِ الحُكم، فتَرُدُّ بِـ«إنَّ» قاطِعةً أن لا تَخفيفَ هُنا، وأنَّ النّارَ مُؤصَدة.

والصّيغةُ كُلُّها تَتَدَفَّقُ إيقاعاً: «إنَّها علَيهم مُؤصَدَة، في عَمَدٍ مُمَدَّدَة»، والسَّجعُ يَجعَلُ الكَلِمَتَينِ الأخيرَتَينِ (مُؤصَدَة، مُمَدَّدَة) تَنطَبِقانِ إحداهُما على الأُخرى، وكَأنَّ صَوتَ الكَلِمةِ نَفسَه يُحاكي الإيصاد، حَرفٌ يُتبَعُ بِحَرف، ولا فُسحةَ في الإيقاع.

«مُؤصَدَة»: العَتَبَةُ التي تُغلَقُ مِن فَوق

وأصلُ و-ص-د في اللِّسانِ العَرَبِيِّ الإغلاقُ بِحَواجِزَ ثابِتة، والوَصيدُ في كَلامِ العَرَبِ بابُ المَنزِلِ نَفسُه، أو فِناؤه المُحاطُ بِأرجُلٍ مَتينة، وأوصَدَ البابَ: أطبَقَه. والإيصادُ غَيرُ الإغلاق، فالإغلاقُ قد يَكونُ بِمِفتاحٍ يُفتَحُ بِه، والإيصادُ إطباقٌ لا يَبقى مَعَه مَجالٌ لِلفَتح، حَتّى كَأنَّ البابَ صارَ جُزءاً مِنَ الجِدار.

ووَزنُ مُفعَلة في «مُؤصَدَة» اسمُ مَفعولٍ مِن أوصَدَ، فالفاعِلُ مَستور، والإيصادُ قد تَمّ. والضَّميرُ المُسنَدُ إلَيه في «إنَّها» يَجعَلُ النّارَ نَفسَها هي المُؤصَدة، أو يَجعَلُ المَكانَ الذي تَحويهِم فيه مُؤصَداً، فالكَلِمةُ تَحتَمِلُ المَعنَيَين: نارٌ أُطبِقَت عَلَيهِم، أو مَكانٌ أُطبِقَ بِهِم. وهُما في الحَقيقةِ واحِد، فحَيثُ تَكونُ النّارُ يَكونُ المَكان.

وفي قِراءاتٍ قُرآنِيّةٍ أُخرى تَأتي «مُؤصَدَة» بِواوٍ مَدِّيّةٍ بلا هَمز، فتُقرَأُ «مُوصَدَة»، والفَرقُ يَسير، والمَعنى واحِد، والصّورةُ في الجِذرِ ثابِتة: عَتَبةٌ مَطبوقة، وبابٌ لا يَنفَتِح.

المَكانُ الذي يَنطَبِقُ عَلى الفُؤادِ المُتَّقِد

كَشَفَتِ الآيةُ السّابِقةُ أنَّ النّارَ تَطَّلِعُ على الأفئِدة، وهذه الآيةُ تُكَمِّلُ الصّورة، فلا مَخرَجَ بَعدَ هذا الاطِّلاع: الفُؤادُ مَفتوحٌ على نارٍ تَطَّلِعُ عَلَيه، والمَكانُ كُلُّه مُؤصَدٌ عَلَيه مِن خارِج، ولا فَتحةَ يَخرُجُ مِنها الفِعلُ ولا اللَّهَب، واللَّحظةُ تَستَقِرّ.

وفي البَقَرةِ صورةٌ تُوازي هذا الإيصادَ في الدُّنيا: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾. والخَتمُ يُطبِقُ على القَلبِ مِن أعلى فيُقفِلُه عنِ استِقبالِ الحَقّ، والإيصادُ هُنا يُطبِقُ على المَنبوذِ مِن حَوالَيه فيُقفِلُه عنِ الخُروجِ مِنَ الحُكم، والذي خَتَمَ على قَلبِه بِالاختِيارِ يُؤصَدُ عَلَيه بِالحُكم. وكُلٌّ مِنَ الفِعلَينِ يُغلِق، والفَرقُ في الفاعِلِ والاتِّجاه: الأوَّلُ بِفِعلِ صاحِبِه على نَفسِه، والثّاني بِفِعلِ النَّصِّ على المَكان.

والسّورةُ تَتَّجِهُ في إيقاعِها كُلِّه إلى هذه الصّورة: ثَلاثُ آياتٍ تَفتَحُ على النّارِ (الحُطَمَة، نارُ اللهِ المُوقَدَة، التي تَطَّلِعُ على الأَفئِدَة)، ثُمَّ آيَتانِ تُغلِقانِ عَلَيها (مُؤصَدَة، في عَمَدٍ مُمَدَّدَةفيَأتي الخَتمُ إيقاعاً مُتَدَرِّجاً: نارٌ تَتَكَشَّف، ثُمَّ بابٌ يَنطَبِق. ومَن قَرَأَ السّورةَ كامِلةً سَمِعَ الإيصادَ نَفسَه يَدُقُّ في الكَلِمَتَينِ الأخيرَتَين: مُؤصَدَة، مُمَدَّدَة، وهُما صَوتانِ يَتَطابَقان، كَأنَّ البابَ يَنطَبِقُ مَرَّتَين.


حَصيلة

في «إنَّها علَيهم مُؤصَدَة» ثَلاثُ كَلِماتٍ تُغلِقُ البابَ على المَنبوذ، و«إنَّ» تَأكيدٌ يَرُدُّ مَن يَتَوَقَّعُ تَخفيفاً. وجِذرُ (و-ص-د) يَدورُ على إغلاقٍ مُحكَمٍ بِعَتَبةٍ ثابِتة، و«أَوصَدَ البابَ» أطبَقَه إطباقاً تامّاً حَتّى لا يَدخُلَه هَواء. و«مُؤصَدَة» اسمُ مَفعول، فهي إغلاقٌ تامٌّ قد تَمّ، لا فِعلٌ يُتَوَقَّع، والبابُ مُغلَقٌ لا يُفتَح.

وفي الكَهفِ يَأتي الجِذرُ نَفسُه في سِياقٍ آخَر: بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، فالوَصيدُ هُناكَ حِفظٌ وكَلبٌ حارِس، والإيصادُ هُنا حَبسٌ لا يَبرَحُه أحَد. والجِذرُ واحِدٌ والاستِعمالانِ مُتَضادّان، فهو مَرّةً يَحفَظُ الأهلَ، ومَرّةً يَحبِسُ مَن لَيسَ لَه أهل.

وقد أغلَقَتِ السّورةُ في آيَتِها الرّابِعةِ بابَ الوَهمِ بِكَلِمةِ «كَلَّا»، وتَنتَهي بِإغلاقِ بابِ المَنبوذِ بِكَلِمةِ «مُؤصَدَة»، والبابُ الأوَّلُ كانَ في الذِّهنِ يُهَدّ، والبابُ الثّاني على المَوضِعِ يُحكَمُ عَلَيه. والذي أغلَقَ على نَفسِه بابَ الإصغاءِ في الدُّنيا يَلقاه مُغلَقاً عَلَيه في المَآل.