الهمزة · الآية 9

﴿فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ

«عَمَدٍ»: الدَّعائمُ التي تَحمِلُ ما لا يَنفَتِح

الجِذرُ ع-م-د في اللِّسانِ يَدُلُّ على إقامةِ شَيءٍ ليَحمِلَ ما يَستَنِدُ عَلَيه، فالعَمودُ في البَيتِ يَحمِلُ السَّقف، والعَميدُ في القَومِ يَحمِلُ شَأنَهُم، والعِمادُ ما يَستَنِدُ عَلَيه القَلبُ في حَياتِه. ويَنقَسِمُ الجِذرُ في صُوَرِه إلى مَعنَيَينِ مُتَكامِلَين: ما يَقومُ فيُسنِد، وما يَقومُ فيَتَسَنَّد، وكِلاهُما إقامةٌ على دِعامة.

والعَمَدُ في الآيةِ نَكِرةٌ جاءَت بِصيغةِ الجَمعِ بِلا تَعريف، وكَأنَّ النَّصَّ يُلقي الصّورةَ دونَ أن يُحَدِّدَ هَيئَتَها بِدِقّة، ويَترُكُ القَلبَ يَتَخَيَّلُ هَيكَلاً يَمتَدُّ بِدَعائمَ مُتَكَرِّرة. فهي عَمَدٌ كَثيرةٌ تَنتَصِبُ مَعاً، وليسَت عَموداً واحِداً مَركَزِيّاً، كَأنَّها صَفٌّ مِن أعمِدةٍ تَحمِلُ ما يُريدُه النَّصُّ مِنها أن تَحمِل.

ويَستَعمِلُ القُرآنُ في مَوضِعٍ آخَرَ الجِذرَ في صورةٍ مُختَلِفة: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، فالسَّماواتُ هُناكَ مَرفوعةٌ بِلا عَمَد، والنّارُ هُنا مُؤصَدةٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدة. والفَرقُ بَينَ الحالَينِ بَلاغة: ما يَحفَظُه اللهُ بِقُدرَتِه يَقومُ بِلا دِعامة، وما يُؤصِدُه بِحُكمِه يَقومُ على دَعائمَ تُحكِمُ إيصادَه، ومَرجِعُ الفَرقِ إلى صورةِ ما يُريدُه أن يُرى، وليسَ إلى حاجةِ اللهِ.

«مُمَدَّدَة»: الامتدادُ الذي يَجعَلُ الإِيصادَ شامِلاً

وأصلُ م-د-د مِن كَلامِ العَرَبِ مَعنى بَسطِ الشَّيءِ في طول، فمَدَّ يَدَه: بَسَطَها في الفَراغ، ومَدَّ الحَبلَ: أطالَه، والمَدُّ ما يَزيدُ في حُدودِ الشَّيءِ بِحَرَكةٍ مُمتَدّة. ووَزنُ فَعَّلَ المُضَعَّفةِ في «مَدَّدَ» يُضيفُ شَحنةَ التَّكرارِ والتَّكثيف، فهو مَدٌّ يَتَوالى ويَتَكَثَّر، غَيرُ مَدٍّ واحِد، واسمُ المَفعولِ «مُمَدَّدَة» يَدُلُّ على ما تَمَّ مَدُّه ومُدِّدَ إيغالاً في الامتِداد.

فالعَمَدُ مُمَدَّدةٌ تَمتَدُّ في طولِها امتِداداً، لا أعمِدةٌ قَصيرةٌ مَركوزةٌ في مَوضِعٍ واحِد. والامتِدادُ يَخدُمُ صورةَ الإيصاد، فالإيصادُ يُحكَمُ بِعَمَدٍ تَمتَدُّ على طولِ المَكانِ كُلِّه، فلا يَبقى ثُقبٌ يَنفُذُ مِنه نورٌ أو هَواء، والإيصادُ الكامِلُ يَحتاجُ هَيكَلاً مُمتَدّاً، غَيرَ نُقطةٍ واحِدة.

والإيقاعُ بَينَ «مُؤصَدَة» و«مُمَدَّدَة» يَنطِقُ بِصورةِ الإغلاقِ نَفسِها، فالكَلِمَتانِ في وَزنَينِ مُتَقارِبَين، ويَنتَهي كُلٌّ مِنهُما بِتاءِ التَّأنيثِ المَربوطة، حَرفاً بِحَرف، ونَقرةً بِنَقرة، وكَأنَّ السّورةَ تَختِمُ بِسِجّادةِ صَوتٍ تَتَكَرَّرُ فتَستَقِرُّ ثُمَّ تَنقَطِع. وكُلُّ مَن قَرَأَ السّورةَ يَسمَعُ في خِتامِها هذا الصَّمتَ الذي يَخلُفُ صَوتَ البابِ يَنطَبِق.

دائرَةُ السورَة: مِن وَيلٍ إلى عَمَدٍ مُمَدَّدَة

والسّورةُ تِسعُ آياتٍ، تَبدَأُ بِـ«وَيل» وتَنتَهي بِـ«مُمَدَّدَة»، وبَينَ الكَلِمَتَينِ رِحلةٌ مُتَسَلسِلة: نِيّةُ نَخسٍ تَنعَقِدُ في الفُؤاد، ثُمَّ تَخرُجُ بِالعَينِ واللِّسان، ثُمَّ تَدورُ على المال، ثُمَّ يَنبُتُ عَلَيها وَهمُ الخُلود، ثُمَّ تَنقَلِبُ بِنَبذٍ يَلتَقي بِنارٍ تَطَّلِعُ على فُؤادِه، وتُؤصَدُ عَلَيها أبواب، وتَمتَدُّ عَلَيها عَمَد. وكُلُّ آيةٍ تَأخُذُ خُطوةً واحِدة، والتَّسَلسُلُ يَكتَمِلُ في الآيةِ الأخيرة.

وفي كَلِمَتَيِ البِدايةِ والنِّهايةِ تَوازٍ خَفِيّ، فـ«وَيلٌ» نَكِرةٌ تُلقى تَنبيهاً قَبلَ أن يُسَمّى المَوصوف، و«مُمَدَّدَة» نَكِرةٌ تَختِمُ المَشهَدَ بَعدَ أن تَمَّ الإيصاد، فالأولى تَفتَح، والثّانيةُ تُغلِق، وبَينَ الفَتحِ والإغلاقِ كُلُّ ما بَينَهُما مِن تَفصيل. ومَن أُلقِيَ عَلَيه «وَيلٌ» في البِدايةِ يوجَدُ في النِّهايةِ مُحاطاً بِعَمَدٍ مُمَدَّدة، والكَلِمَتانِ تَلتَقِيانِ على نُقطةٍ واحِدة: الفاعِلِ نَفسِه، أوَّلاً مُحَذَّراً، وآخِراً مَحبوساً.

والقارِئُ الذي خَتَمَ السّورةَ يَفعَلُ شَيئاً تَدفَعُه السّورةُ إلَيه، وهو أن يَنظُرَ في فُؤادِه: هل في باطِنِه ما يَحتَمِلُ هذا التَّسَلسُل؟ وهل في عَينِه نَخسٌ يَبحَثُ عن مَوضِعٍ في غَيرِه؟ وهل في لِسانِه التِفافٌ يَنفُذُ بِحَدّ؟ وهل في حُسبانِه أنَّ ما يَجمَعُه يُخلِدُه؟ فالسّورةُ مِرآةٌ تَستَدعي قارِئَها أن يُجَرِّبَ نَفسَه فيها، ولَيسَت تَهديداً مُوَجَّهاً إلى غَيرِنا.


حَصيلة

تُلقي الآيةُ الأخيرةُ الكَلِمَتَينِ كَآخِرِ نَقرَتَينِ على البابِ المُؤصَد: «في عَمَدٍ مُمَدَّدَة»، فلا فِعلَ ولا فاعِل، وإنَّما حالٌ تُكَمِّلُ الإيصاد. وجِذرُ (ع-م-د) يَدورُ على ما يُقامُ فيُسنَدُ عَلَيه ما تَحتَه أو ما فَوقَه، والعَمودُ يَنتَصِبُ ليَحمِلَ ثِقلاً. و«عَمَدٍ» نَكِرةٌ بِالجَمع، فهي عَمَدٌ كَثيرةٌ تَنتَصِبُ مَعاً تَحمِلُ ما يُريدُه النَّصُّ مِنها، ولَيسَت عَموداً واحِداً.

ويَدورُ جِذرُ (م-د-د) على الامتِدادِ الذي لا يَنقَطِع، و«مُمَدَّدَة» على وَزنِ مُفعَّلة، أي امتِدادٌ مُكَثَّفٌ مُكَرَّر، والأعمِدةُ لا تَقِفُ عِندَ حَدّ، فهي تَمتَدُّ فَوقَ ما يَقدِرُ الذِّهنُ على استيعابِه. ويَذكُرُ القُرآنُ في مَوضِعٍ آخَرَ الجِذرَ في وَصفِ السَّماوات: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾، فهُناكَ رَفعٌ بِلا عَمَد، وهُنا إيصادٌ بِعَمَدٍ مُمَدَّدة، وهو الفَرقُ بَينَ ما يَحفَظُه اللهُ بِقُدرَتِه وما يُؤصِدُه بِحُكمِه.

والآيَتانِ الأخيرَتانِ «مُؤصَدَة. مُمَدَّدَة» تَنطَبِقُ إحداهُما على الأُخرى بِإيقاعِهِما، وكَأنَّ السّورةَ تَختِمُ نَفسَها بِصَوتِ تَكرارٍ مُحكَم: نَقرَتانِ على بابٍ يَنطَبِق، ثُمَّ صَمتٌ يَخلُفُهُما لا تَكسِرُه كَلِمة. وقد بَدَأَتِ السّورةُ بِصَيحةِ «وَيلٌ» واختُتِمَت بِهَيكَلٍ يَنطَبِق، فجاءَتِ الخاتِمةُ جَواباً عنِ الفاتِحة.