طه · الآية 109

﴿يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا

«لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ»: المَنفِيُّ نَفعٌ، لا وُقوع

والعِبرةُ هُنا بِمَوقِعِ النَّفي، فالفِعلُ المَنفِيُّ «تَنفَعُ»، دونَ «تَكونُ» و«تَقَعُ»، فالمَرفوعُ هو بُلوغُ الأثَر، لا حُصولُ الفِعل.

وأصلُ ن-ف-ع نُفوذٌ يَجري في المَحَلِّ فيَظهَرُ أثَرُه فيه، فالنّافِعُ ما بَلَغَ وأحدَث، والمَنفِيُّ هُنا هذا البُلوغُ نَفسُه.

و«الشَّفَاعَةُ» مَعرِفة، وجَذرُها ش-ف-ع، ومَعناه ضَمُّ شَيءٍ إلى شَيءٍ حَتّى يَلتَحِما فيَصيرا اثنَينِ بَعدَ واحِد، والشَّفعُ خِلافُ الوَتر، فالشَّفيعُ يَصُفُّ نَفسَه إلى صاحِبِ الحاجةِ فيَقومانِ اثنَينِ حَيثُ كانَ واحِداً.

فالآيةُ تُخبِرُ أنَّ هذا الانضِمامَ لا يَصِلُ أثَرُه، ثُمَّ تَستَثني، والنَّفيُ ثُمَّ الاستِثناءُ صيغةٌ تُبقي المُستَثنى داخِلاً فيما لولا الاستِثناءُ لَخَرَج.

«إِلَّا مَنْ»: مَوصولٌ يَحتَمِلُ جِهَتَين

و«إلّا» تُخرِجُ ما بَعدَها من حُكمِ ما قَبلَها، والمُستَثنى «مَنْ» في مَوضِعِ نَصب.

و«مَنْ» تَحتَمِلُ في هذا التَّركيبِ وَجهَينِ اثنَين: أحَدُهُما أن يَكونَ المُرادُ بِه الشّافِعَ نَفسَه، فيَكونَ المُستَثنى هو الذي يَنضَمّ، والآخَرُ أن يَكونَ المُرادُ بِه المَشفوعَ لَه، فيَكونَ المُستَثنى هو الذي يُنضَمُّ إلَيه.

والوَجهانِ قائِمانِ في اللَّفظِ جَميعاً، ولَيسَ في الآيةِ ما يَقطَعُ بِأحَدِهِما، فيُعلَنانِ ولا يُحسَمُ بَينَهُما.

وثَمَّةَ ما يُقالُ في الوَجهَينِ مَعاً، وهو أنَّ اللّامَ في الشَّرطَينِ واحِدةٌ مُعادة: «أَذِنَ لَهُ» و«رَضِيَ لَهُ»، فأيّاً كانَ المَقصودُ بِـ«مَنْ»، فالشَّرطانِ مَحمولانِ عَلَيه هو بِعَينِه، غَيرُ مُتَوَزِّعَينِ على اثنَين.

«أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ»: الشَّرطُ الأوَّل

ومَدارُ أ-ذ-ن على نُفوذٍ حادٍّ يُحتَوى في جَوفٍ فيَستَقِرّ، ومِنه «الأُذُنُ»، أي ما يَنفُذُ إلَيه الصَّوتُ فيُحتَوى فيه، فالإذنُ في أصلِه إصغاءٌ يَستَقِرُّ ثُمَّ يَصدُرُ عَنه إطلاق.

والفاعِلُ مُصَرَّحٌ بِه: «الرَّحْمَٰنُ»، وهو الاسمُ الذي جاءَ فيما قَبلَه بِلامِ الاختِصاص: وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ﴾، فهو هُناكَ مَجرورٌ تَسكُنُ لَه الأصوات، وهُنا مَرفوعٌ يَصدُرُ عَنه الإذن، والاسمُ واحِدٌ والمَوقِعُ انتَقَل.

«وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا»: الشَّرطُ الثّاني، وهو غَيرُ الأوَّل

والواوُ عاطِفة، فهُما شَرطان، وليسا شَرطاً واحِداً أُعيدَ بِلَفظٍ آخَر، ولو كانا واحِداً لَكَفى أحَدُهُما.

ولِكُلٍّ مِنهُما مَحَلُّه، فالأوَّلُ إذنٌ يَقَعُ على شَخص: «أَذِنَ لَهُ»، والثّاني رِضاً يَقَعُ على مَقول: «رَضِيَ لَهُ قَوْلًا»، فالمَأذونُ لَه ذات، والمَرضِيُّ قَول.

ومادّةُ ر-ض-ي انبِساطٌ لَطيفٌ يَسري فيَثبُت، فالرِّضا انبِساطٌ إلى المَقبولِ وثَباتٌ عَلَيه، وهو قَبولٌ لا يُطلَبُ بَعدَه غَيرُه.

و«قَوْلًا» نَكِرةٌ لم توصَفْ ولم يُنقَلْ نَصُّها، والقَولُ في جَذرِه ما يُفارِقُ الصَّدرَ ويَبقى مَوصولاً بِقائِلِه، فالمَرضِيُّ كَلامٌ ما زالَ مُعَلَّقاً بِمَن قالَه.

وهذا مِقدارُ ما في الآية: نَفيٌ يَقَعُ على النَّفع، واستِثناءٌ يَحمِلُ شَرطَين، ومَوصولٌ يَحتَمِلُ جِهَتَينِ لم تُعَيَّنْ واحِدةٌ مِنهُما، وما وَراءَ ذلك خارِجٌ عن اللَّفظ.


حَصيلة

النَّفيُ واقِعٌ على «تَنفَعُ»، لا على الكَونِ ولا على الوُقوع، والنَّفعُ في جَذرِه نُفوذٌ يَجري في المَحَلِّ فيَظهَرُ أثَرُه فيه، فالمَرفوعُ بُلوغُ الأثَرِ لا حُصولُ الفِعل. والشَّفاعةُ في جَذرِها ضَمُّ شَيءٍ إلى شَيءٍ حَتّى يَصيرا اثنَينِ بَعدَ واحِد، والشَّفعُ خِلافُ الوَتر. ثُمَّ تَأتي «إلّا» فتُخرِجُ ما بَعدَها، والمُستَثنى «مَنْ»، وهي في هذا التَّركيبِ تَحتَمِلُ الشّافِعَ وتَحتَمِلُ المَشفوعَ لَه، ولَيسَ في الآيةِ قاطِعٌ بِأحَدِهِما، فيُعلَنُ الوَجهانِ ولا يُحسَمُ بَينَهُما. غَيرَ أنَّ اللّامَ مُعادةٌ في الشَّرطَينِ كِلَيهِما، فأيّاً كانَ المُرادُ فالشَّرطانِ مَحمولانِ على واحِدٍ بِعَينِه. والشَّرطانِ اثنانِ لا واحِد: إذنٌ يَقَعُ على ذات، ورِضاً يَقَعُ على قَول. والإذنُ في جَذرِه نُفوذٌ يُحتَوى في جَوفٍ فيَستَقِرّ، ومِنه الأُذُنُ نَفسُها، والرِّضا انبِساطٌ لَطيفٌ يَسري فيَثبُت. والقَولُ نَكِرةٌ لم يُنقَلْ نَصُّها، وهو في جَذرِه ما يُفارِقُ الصَّدرَ ولا يُفارِقُ قائِلَه. والاسمُ الذي صَدَرَ عَنه الإذنُ هو الاسمُ الذي سَكَنَت لَه الأصواتُ في الآيةِ قَبلَها، جاءَ هُناكَ مَجروراً بِلامٍ، وجاءَ هُنا مَرفوعاً فاعِلاً. وهذا ما في الآية، وما وَراءَه خارِجٌ عَنها.