طه · الآية 110

﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا

«يَعْلَمُ»: فاعِلٌ لا يُعادُ ذِكرُه

الفِعلُ بِلا فاعِلٍ ظاهِر، وأقرَبُ ما يَعودُ عَلَيه الاسمُ المَذكورُ في السَّطرِ قَبلَه. فالسُّطورُ الثَّلاثةُ تَجري على اسمٍ واحِد: تَسكُنُ لَه الأصوات، ويَصدُرُ عنه الإذن، ويُسنَدُ إلَيه العِلم.

والجَذرُ ع-ل-م ظُهورٌ من العُمقِ يَتَعَلَّقُ بِما أمامَه ثُمَّ يَتَجَمَّعُ في صورةٍ مُتَمَيِّزةٍ راسِخة. ومنه «العَلامة» ما يَبرُزُ فيُعَلَّقُ بِه التَّمييز، و«المَعلَم» ما يُهتَدى بِه.

فالعِلمُ في هذا الأصلِ لَيسَ خُطوراً يَمُرّ، بل صورةٌ تَتَمَيَّزُ فتَثبُت.

«مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ»: جِهَتانِ ومَوصولانِ بِلا بَيان

«ما» مَرَّتَينِ، وكِلتاهُما بِلا شَيءٍ يُبَيِّنُها. ذُكِرَتِ الجِهَتانِ ولم يُذكَرْ ما فيهِما. المَعلومُ مَسكوتٌ عنه والمَعلومُ مَوضِعُه مَذكور.

و«بَيْنَ أَيْدِيهِمْ» جِهةٌ تُعَيَّنُ بِاليَدَين، فما كانَ بَينَ يَدَيكَ فهو حَيثُ تَبلُغُه. و«خَلْفَهُمْ» في الجِهةِ الأُخرى، والجَذرُ خ-ل-ف فَراغٌ يَتَخَلَّفُ عمّا فارَقَ مَوضِعَه. ومنه «الخَليفة» مَن يَقومُ في مَوضِعٍ خَلا، و«أخلَفَ» تَرَكَ خَلاءً حَيثُ كانَ يُنتَظَر.

فالجِهَتانِ لَيسَتا مُتَماثِلَتَين: إحداهُما ما تَبلُغُه اليَد، والأُخرى ما خُلِّفَ فبَقِيَ فَراغُه.

وهُما اثنَتانِ لا أكثَر. لم يُقَلْ ما فَوقَهُم ولا ما تَحتَهُم. جِهَتانِ تَكتَنِفانِ الواقِفَ من طَرَفَيه، وهذا حَدُّ ما يُذكَرُ عنه.

«وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا»: نَفيُ إحاطةٍ لا نَفيُ عِلم

الجَذرُ ح-و-ط احتِواءٌ يُعقَدُ حَلقةً ثُمَّ يُطبَقُ عَلَيها فلا تَبقى فيها ثُلمة. ومنه «الحائِط» ما أُديرَ على المَوضِعِ فمَنَعَ ما وَراءَه.

فالإحاطةُ إدارةُ حَدٍّ على المُحاطِ حَتّى يَنغَلِق. ومَن أحاطَ بِشَيءٍ عَلِمَ أوَّلَه وآخِرَه لِأنَّ حَلقَتَه انطَبَقَت عَلَيه.

واقرَأْ ما نُفِيَ بِالضَّبط. لم يُقَلْ «ولا يَعلَمونَه»؛ قيلَ «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا». فالمَنفِيُّ انطِباقُ الحَلقة، لا وُقوعُ الإدراك. ويَبقى بَينَ العِلمِ والإحاطةِ فَرقٌ لا تَرفَعُه الآية.

و«عِلْمًا» تَمييزٌ يُعَيِّنُ جِهةَ الإحاطةِ المَنفِيّة. نُفِيَت الإحاطةُ من هذه الجِهةِ بِعَينِها، فالنَّفيُ مُقَيَّدٌ بِتَمييزِه.

التَّمييزُ نَفسُه في مَوضِعَين

وهذا التَّمييزُ بِعَينِه وَرَدَ في هذه السّورةِ مُثبَتاً: وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. كَلِمةٌ واحِدةٌ مَنصوبةٌ على التَّمييزِ في المَوضِعَين.

وما تَغَيَّرَ هو الفِعلُ وصاحِبُه. هُناكَ «وَسِعَ» مُثبَتاً لَه، وهُنا «يُحِيطُونَ» مَنفِيّاً عنهُم. سَعةٌ تُثبَتُ وإحاطةٌ تُنفى، والتَّمييزُ واحِدٌ لم يُبَدَّل.

والفَرقُ بَينَ الفِعلَينِ يُقرَأُ أيضاً. «وَسِعَ» اتِّساعٌ يَحوي ما دَخَلَ فيه من غَيرِ أن يُذكَرَ لَه طَرَف، و«أحاطَ» إدارةُ حَلقةٍ لَها طَرَفانِ يَلتَقِيان. فالمُثبَتُ احتِواءٌ لا حَدَّ لَه، والمَنفِيُّ إدارةُ حَدٍّ على ما لا يُحَدّ.

وفي السَّطرِ نَفسِه جَذرُ ع-ل-م مَرَّتَين: فِعلاً يُسنَدُ إلَيه، وتَمييزاً يُنفى عنهُم. الكَلِمةُ واحِدةٌ والجِهَتانِ مُتَقابِلَتان.


حَصيلة

فِعلٌ بِلا فاعِلٍ ظاهِرٍ يَعودُ إلى الاسمِ الذي تَقَدَّمَ، فتَجري ثَلاثةُ سُطورٍ على مُسنَدٍ إلَيه واحِد: تَسكُنُ لَه الأصوات، ويَصدُرُ عنه الإذن، ويُسنَدُ إلَيه العِلم. والعِلمُ في جَذرِه ظُهورٌ من العُمقِ يَتَعَلَّقُ بِما أمامَه ثُمَّ يَتَجَمَّعُ صورةً راسِخة. ثُمَّ يُذكَرُ المَعلومُ بِمَوصولَينِ لا بَيانَ فيهِما: ذُكِرَتِ الجِهَتانِ وسُكِتَ عمّا فيهِما. وهُما جِهَتانِ مُختَلِفَتان: ما تَبلُغُه اليَد، وما خُلِّفَ فبَقِيَ فَراغُه، وجَذرُ الخَلفِ فَراغٌ يَتَخَلَّفُ عمّا فارَقَ مَوضِعَه. ثُمَّ يُنفى عنهُم فِعلٌ واحِدٌ بِدِقّة: لم يُقَلْ «ولا يَعلَمونَه» بل «وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا»، فالمَرفوعُ انطِباقُ الحَلقةِ لا وُقوعُ الإدراك، والإحاطةُ في جَذرِها حَلقةٌ تُعقَدُ ثُمَّ يُطبَقُ عَلَيها فلا تُترَكُ فيها ثُلمة. و«عِلْمًا» تَمييزٌ يُقَيِّدُ النَّفيَ بِجِهَتِه. وهو التَّمييزُ نَفسُه الذي أُثبِتَت بِه السَّعةُ في هذه السّورة: كَلِمةٌ واحِدةٌ مَنصوبةٌ في مَوضِعَين، أُثبِتَت هُناكَ بِفِعلٍ يَحوي بِلا طَرَف، ونُفِيَت هُنا بِفِعلٍ يُديرُ طَرَفَينِ حَتّى يَلتَقِيا. فالمُثبَتُ احتِواءٌ لا حَدَّ لَه، والمَنفِيُّ حَدٌّ يُدارُ على ما لا يُحَدّ.