النبأ · الآية 1

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ

«عَمَّ»: سُؤالٌ يُفتَتَحُ بِمَوضِعٍ خالٍ

تَبدَأُ السّورةُ بِسُؤال، ويَبدَأُ السُّؤالُ بِكَلِمةٍ نَقَصَت، فـ«عَمَّ» جُمِعَت من «عَنْ» و«ما»، وذَهَبَت أَلِفُ «ما» حينَ سَبَقَها الجارّ، فلم يَبقَ من أداةِ الاستِفهامِ إلّا مِيمٌ تُشَدَّدُ وتَنقَطِع. فالكَلِمةُ التي كانَ يَنبَغي أن تَحمِلَ المَسؤولَ عَنه هي أوَّلُ ما نَقَصَ فيها.

و«عَنْ» حَرفُ مُجاوَزة، يَقَعُ بِه الفِعلُ حَولَ الشَّيءِ لا عَلَيه، فالسُّؤالُ في هذه الآيةِ يَدورُ في جِهةِ مَوضوعِه ولا يُمسِكُه. وقد ضُمَّ فيها حَرفٌ يُجاوِزُ إلى اسمٍ نَقَص في نُطقةٍ واحِدة، فكانَ المَطلَعُ لا يَقبِضُ على شَيء.

وهذا أوَّلُ ما تَصنَعُه السّورةُ بِسامِعِها، إذ تَضَعُ في صَدرِها خَلاءً وتَترُكُه يَطلُبُ ما يَملَؤُه، فمَن سَمِعَ «عَمَّ» مالَ بِأُذُنِه إلى ما بَعدَها قَبلَ أن يُقال.

«يَتَسَاءَلُونَ»: طَلَبٌ يَدورُ بَينَهُم ولا يَخرُجُ عَنهُم

والفِعلُ على تَفاعَل، وهي صيغةُ المُشارَكة، فكُلٌّ مِنهُم يَسأَلُ الآخَرَ ويُسأَلُ مِنه، ولا مَسؤولَ خارِجَ الحَلقة، ولِذلك يَخرُجُ السُّؤالُ من واحِدٍ فيَدخُلُ في آخَرَ ثُمَّ يَعودُ كما خَرَجَ لم يَحمِلْ شَيئاً.

والجِذرُ س-أ-ل طَلَبٌ يَمتَدُّ حتّى يَبلُغَ نُقطةً ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَن يَحوزُ جَوابَها، فالتَّعَلُّقُ داخِلٌ في بِنيةِ الكَلِمة، والسُّؤالُ مَشدودٌ في أصلِه إلى مُجيب. فإذا خَلَتِ الحَلقةُ مِمَّن يُجيب، بَقِيَ الطَّلَبُ مَشدوداً إلى الهَواء.

وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً دونَ الماضي، فهو حالٌ قائِمةٌ لا واقِعةٌ انقَضَت، إذ هُم في السُّؤالِ الآن، وفيه كانوا، وفيه يَظَلّون. والسُّؤالُ الذي يَدورُ بَينَ قَومٍ لا يَملِكُ أحَدُهُم جَوابَه لا يَنفَدُ بِالدَّوَران، إنَّما يَتَّسِع.

«عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ»: سُؤالٌ عن سُؤال

والجُملةُ كُلُّها سُؤال، والمَسؤولُ عَنه فيها سُؤالٌ آخَر، إذ عُدِلَ بِالسُّؤالِ عَمّا يَقولونَ وعَمّا يَفعَلونَ إلى ما يَتَساءَلونَ فيه، فصارَ تَساؤُلُهُم نَفسُه هو المَوضوع.

وفي هذا نَقلٌ لِلمَوضِع، فقد كانوا هُمُ السّائِلين، فأَصبَحوا المَسؤولَ عَنهُم، ومَن سُئِلَ عن سُؤالِه قامَ خارِجَه لِأوَّلِ مَرّة، ورَأى الحَلقةَ التي كانَ يَدورُ فيها من فَوقِها.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تَفتَتِحانِ السّورة، وفي كُلِّ مَوضِعٍ مِنهُما نُقصانٌ مَقصود: فـ«عَمَّ» ذَهَبَت أَلِفُها فبَقِيَت أداةُ الاستِفهامِ حَرفاً مُشَدَّداً يَنقَطِع، و«عَنْ» تُجاوِزُ ولا تُمسِك، والفِعلُ على تَفاعَلَ فلا مَسؤولَ خارِجَ الحَلقة. والجِذرُ س-أ-ل طَلَبٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِمَن يَحوزُ الجَواب، فإذا دارَ بَينَ السّائِلينَ أنفُسِهِم بَقِيَ مُعَلَّقاً بِلا مَحَلّ. ثُمَّ تَقلِبُ الجُملةُ المَواقِع، فتَسأَلُ عن سُؤالِهِم نَفسِه دونَ ما قالوا، فيَصيرُ السّائِلُ مَسؤولاً عَنه. وبِذلك تَبتَدِئُ السّورةُ بِخَلاءٍ في مَوضِعِ الجَواب، ولا تَملَؤُه في الآيةِ التّالِيةِ أيضاً.