النبأ · الآية 2

﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ

«عَنِ»: الجَوابُ يُعيدُ حَرفَ السُّؤالِ ولا يَنقُضُه

يَعودُ الحَرفُ نَفسُه، فقد كانَ في عَمَّ﴾ جارٌّ ومَجرور، وها هو الجارُّ يُستَأنَفُ وَحدَه في صَدرِ الآية. فالجَوابُ يُعيدُ الأداةَ التي تُجاوِز، ولا يَأتي بِأداةٍ جَديدةٍ تُمسِك.

و«عَنْ» تُبقي المَسافةَ التي وَضَعَتها، إذ الشَّيءُ الذي يُسأَلُ عَنه بِـ«عَنْ» يُدارُ حَولَه ولا يوضَعُ في اليَد. فالآيةُ تَملَأُ مَوضِعَ الاسمِ الذي كانَ ناقِصاً في عَمَّ﴾، وتَترُكُ صِفةَ المُجاوَزةِ على حالِها.

وفي انقِطاعِ الكَلامِ بَينَ الآيَتَينِ عَمَلٌ آخَر، فهي جُملةٌ واحِدةٌ شُقَّت شَقَّينِ في مَوضِعِ التَّنَفُّس، فتَوَقَّفَ السّامِعُ عِندَ السُّؤالِ قَبلَ أن يَبلُغَ ما يُسأَلُ عَنه، والوَقفةُ نَفسُها جُزءٌ من الخَبَر.

«النَّبَإِ»: خَبَرٌ يَنبَعِثُ من باطِنٍ ثُمَّ يَقَع

وما كُلُّ قَولٍ نَبَأ، فالجِذرُ ن-ب-أ انبِعاثٌ من باطِنٍ يَنفَتِحُ عَنه فيَخرُج، ثُمَّ يُقطَعُ الخُروجُ فيَثبُتُ دَفعةً واحِدة. فالنَّبَأُ خَبَرٌ صَعِدَ من عُمقٍ لا يُرى، وخَرَجَ إلى مَن يَسمَعُه، ووَقَعَ في مَوضِعِه فأَحدَثَ فيه أثَراً.

ولِذلك لا يُسَمّى نَبَأً ما يَمُرُّ على الأُذُنِ فلا يُغَيِّرُ شَيئاً، فما لا يُحدِثُ في سامِعِه شَيئاً كَلامٌ، والنَّبَأُ ما يَنزِلُ فيَنقُلُ الحال.

ثُمَّ جاءَ مُعَرَّفاً بِالأَلِفِ واللّام: «النَّبَإ» دونَ «نَبَإٍ»، والتَّعريفُ إشارةٌ إلى مَعهودٍ عِندَ المُخاطَبين، فالآيةُ تُشيرُ ولا تَصِف، وما أشارَت إلَيه بَقِيَ في يَدِ السّامِعِ دونَ اللَّفظ، والقِراءةُ تَتَوَقَّفُ القِراءةُ حَيثُ تَوَقَّفَتِ الآية.

«الْعَظِيمِ»: ثِقَلٌ يُحجَبُ حَدُّه

والجِذرُ ع-ظ-م كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ مُتَلاصِقةٌ يَغشاها غِطاءٌ غَليظٌ يَحجُبُها. فالعَظيمُ هو الغَليظُ في جِرمِه أو قَدرِه الذي لا تُرى حافَّتُه، وهو غَيرُ الكَبيرِ الذي يُقاسُ من خارِجِه.

وهذا الوَصفُ هو الوَحيدُ الذي أُعطِيَه النَّبَأُ في هذه الآية، فلم يوصَفْ بِأنَّه صادِقٌ ولا قَريبٌ ولا مُنتَظَر، ووُصِفَ بِأنَّ ثِقَلَه مَحجوبُ الحَدّ، وهذا كُلُّ ما وُصِفَ بِه.

وما حُجِبَ حَدُّه لا يُتَّفَقُ عَلَيه بِالقِياس، إذ يَقيسُه كُلُّ واحِدٍ بِما في يَدِه. ولِذلك جاءَتِ الآيةُ بَعدَها لا تُسَمّيه أيضاً، وتَقولُ عَنه الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾، فالوَصفُ يُهَيِّئُ لِما يَليه، إذ الثِّقَلُ الذي بِلا حافّةٍ يُنتِجُ اختِلافاً بِلا نِهاية.


حَصيلة

مَوضِعُ الاسمِ الذي نَقَصَ في عَمَّ﴾ يُملَأ، ويَبقى الحَرفُ الذي يُجاوِزُ على حالِه، فـ«عَنِ» تُعادُ فتُبقي المَسافةَ التي وَضَعَتها. ثُمَّ يُسَمّى المَسؤولُ عَنه «النَّبَإ»، والجِذرُ ن-ب-أ انبِعاثٌ من باطِنٍ يَخرُجُ ثُمَّ يُقطَعُ فيَقَع، فهو خَبَرٌ يَنقُلُ حالَ سامِعِه ولا يَمُرُّ عَلَيه. وهو مُعَرَّفٌ بِالأَلِفِ واللّام، فالآيةُ تُشيرُ إلى مَعهودٍ ولا تَصِفُه، والمُشارُ إلَيه في يَدِ السّامِع. ثُمَّ يوصَفُ بِـ«الْعَظِيمِ» وَحدَه، وع-ظ-م كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ مُتَلاصِقةٌ يَغشاها غِطاءٌ غَليظٌ يَحجُبُها. فالآيةُ تُسَمّي مَرَّةً وتَصِفُ مَرَّة، وتَمتَنِعُ عن التَّعيينِ في المَرَّتَين، فيَبقى قَدرٌ غَليظٌ لا تُرى حافَّتُه، وسُؤالٌ لا يَزالُ مَفتوحاً بَعدَ أن أُجيبَ عَنه.