النبأ · الآية 22

﴿لِّلطَّاغِينَ مَآبًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لِّلطَّاغِينَ مَآبًا

«لِّلطَّاغِينَ»: وَصفٌ قائِمٌ لا حادِثةٌ وَقَعَت

هُما كَلِمَتانِ تُتِمّانِ الآيةَ قَبلَها، فقد ذُكِرَ المِرصاد، وبَقِيَ أن يُعرَفَ لِمَن هو، فجاءَتِ اللامُ تُخَصِّصُه: «لِلطَّاغِينَ».

والطُّغيانُ من ط-غ-ي، وهو فَيضٌ ثَقيلٌ يَعلو حَدَّه ويَمتَدُّ فيُغَطّي، وأصرَحُ صُوَرِه في الحِسِّ «طَغى الماءُ» إذا عَلا قاعِدَتَه وجاوَزَ ما كانَ يَحبِسُه. فهو في جَذرِه امتِدادُ تَجاوُزٍ يَنسابُ في الزَّمَن، غَيرُ فِعلٍ واحِدٍ يَقَعُ ثُمَّ يَنقَضي.

وأوثِرَ اسمُ الفاعِلِ مَجموعاً، «الطَّاغِينَ»، على الفِعلِ الماضي «الَّذينَ طَغَوا»، لأنَّ اسمَ الفاعِلِ يَصِفُ حالاً قائِمةً في صاحِبِها، والفِعلَ يَحكي حادِثةً مَضَت، فالمَوصوفونَ هُنا مَن صارَ التَّجاوُزُ وَصفَه، دونَ مَن جاوَزَ مَرّةً.

«مَآبًا»: رُجوعٌ لا يَكونُ إلّا لِمَن خَرَج

والمَآبُ من أ-و-ب، ومَعناه انفِصالٌ عن مَوضِعٍ يَمتَدُّ زَمَناً ثُمَّ يَعقُبُه رُجوعٌ يَتَّصِلُ بِه فيَتَمَسَّك، و«المَآب» على وَزنِ المَفعَل: مَوضِعُ الرُّجوعِ الذي يُنتَهى إليه.

ومَحَلُّ النَّظَرِ هُنا أنَّ «مَآب» لا يُقالُ لِمَن لم يُفارِقْ أصلاً، إذ الكَلِمةُ تَفتَرِضُ خُروجاً سابِقاً وغَيبةً تَمتَدُّ بَعدَه، فالذي جاوَزَ الحَدَّ لم يَخرُجْ إلى غَيرِ مَوضِع، فقد خَرَجَ ثُمَّ يُرَدُّ إلى ما كانَ مِنه الخُروج.

وبَينَ الكَلِمَتَينِ مُقابَلة، فالطُّغيانُ فَيضٌ يَعلو حَدَّه ويَمتَدّ، والمَآبُ حَدٌّ يُنتَهى إليه فيَقِفُ عِندَه الامتِداد، فالأوَّلُ يَتَجاوَزُ حُدودَه، والثاني حَدٌّ لا يُتَجاوَز، وما فاضَ يُرَدُّ إلى مُستَقَرّ.

وتَعودُ الكَلِمةُ نَفسُها في آخِرِ السّورةِ في الجِهةِ الأُخرى: فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ مَآبًا﴾، فهُنا مَآبٌ يُنالُ بِلا اختِيار، وهُناكَ مَآبٌ يُتَّخَذُ بِمَشيئة، واللَّفظُ واحِدٌ والطَّريقانِ مُختَلِفان.


حَصيلة

كَلِمَتانِ تُتِمّانِ خَبَرَ الآيةِ قَبلَها، فقد ذُكِرَ المِرصاد، ثُمَّ جاءَتِ اللامُ لِتُخَصِّصَ مَن يَقَعُ عليه. و«الطاغين» من ط-غ-ي، أي فَيضٌ ثَقيلٌ يَعلو حَدَّه ويَمتَدُّ فيُغَطّي، وقد جاءَ اسمَ فاعِلٍ دونَ الفِعلِ الماضي، فهو وَصفٌ قائِمٌ في صاحِبِه، لا حادِثةٌ وَقَعَت مَرّةً فمَضَت. و«مَآباً» من أ-و-ب، أي انفِصالٌ يَمتَدُّ زَمَناً ثُمَّ يَعقُبُه رُجوعٌ يَتَّصِلُ بِمَبدَئِه فيَتَمَسَّك، وهو على وَزنِ المَفعَلِ لِمَوضِعِ الرُّجوعِ الذي يُنتَهى إليه، فالكَلِمةُ تَفتَرِضُ خُروجاً سابِقاً وغَيبةً قَبلَ الرُّجوع. وبَينَ الكَلِمَتَينِ مُقابَلةٌ تامّة: فَيضٌ يُجاوِزُ حَدَّه، ثُمَّ حَدٌّ لا يُجاوَز. وتَعودُ «مَآباً» في خِتامِ السّورةِ لِمَن شاءَ أن يَتَّخِذَه إلى رَبِّه، واللَّفظُ واحِد، والفَرقُ في مَن يَختارُه ومَن يُساقُ إليه.