النازعات · الآية 1

﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا

«وَالنَّازِعَاتِ»: قَسَمٌ يَقَعُ على فِعلٍ لا على اسم

تَفتَتِحُ السّورةُ بِواوٍ تُقسِم. والمُقسَمُ بِه اسمُ فاعِلةٍ لا اسمُ ذات. «النَّازِعَاتِ» تُعَرِّفُ صاحِبَتَها بِما تَصنَعُ ثُمَّ تَقِف. فالسّامِعُ يَخرُجُ من الكَلِمةِ وهو يَعرِفُ الحَدَثَ ولا يَعرِفُ مَن قامَ بِه.

وقَد سَمَّتِ الآيةُ الفِعلَ وأمسَكَت عنِ الاسم. هذا اختِيارُها، والقِراءةُ تَقِفُ حَيثُ وَقَفَت. ومَوضِعُ الاسمِ في الجُملةِ مَشغولٌ بِالوَصف: كأنَّ الفِعلَ نَفسَه هو الهُوِيّة.

والجِذرُ ن-ز-ع جَذبٌ يُخرِجُ المُستَقِرَّ من مَوضِعِه. ولا يَقَعُ النَّزعُ إلّا على ما تَمَكَّنَ وثَبَت: يُنزَعُ الدَّلوُ من قَعرِ البِئر، ويُنزَعُ الوَتَدُ من أرضٍ أمسَكَته. فَفي الكَلِمةِ مُقاوَمةٌ قَبلَ أن يَكونَ فيها خُروج.

«غَرْقًا»: كَلِمةٌ تُقَدِّرُ النَّزعَ بِمُنتَهاه

ثُمَّ تَجيءُ كَلِمةٌ واحِدةٌ تَصِفُ النَّزعَ ولا تَصِفُ النّازِعة. و«غَرْقًا» من غَيرِ حُروفِ الفِعلِ الذي قَبلَها، فلَيست تَوكيداً يُعيدُ الحَدَثَ بِلَفظِه، بل قَيداً يُقَدِّرُ مَداه.

والغَرَقُ في جِذرِه انغِمارٌ يَستَرسِلُ حتّى يَنعَقِدَ على صاحِبِه فلا يُبقي مَنفَذاً. فَإذا وُصِفَ بِه النَّزعُ صارَ جَذباً يَبلُغُ القَرارَ ولا يَقِفُ دونَه: يَدٌ تَغوصُ إلى آخِرِ ما تَبلُغُه ثُمَّ تَجذِب. ولا يُترَكُ في القَعرِ شَيء.

فَفي آيةٍ من كَلِمَتَينِ طَرَفان: غَورٌ يَنزِلُ فيه النّازِع، ومَنزوعٌ يَخرُجُ كُلُّه. القَسَمُ الأوَّلُ في السّورةِ يَقَعُ على أشَدِّ ما يَكونُ الإخراجُ إخراجاً.


حَصيلة

واوٌ تُقسِم، والمُقسَمُ بِه فِعلٌ لا فاعِلٌ يُسَمّى. «النَّازِعَاتِ» اسمُ فاعِلةٍ من ن-ز-ع، والجَذبُ في هذا الجِذرِ لا يَقَعُ إلّا على مُتَمَكِّنٍ يُقاوِم، فَفيه شِدّةٌ قَبلَ أن يَكونَ فيه خُروج. ثُمَّ «غَرْقًا» من غَيرِ حُروفِ فِعلِها، فَلَم تُعِدِ الكَلِمةُ الثّانِيَةُ الحَدَثَ بل قَدَّرَت مَداه: انغِمارٌ يَنعَقِدُ فلا يُبقي مَنفَذاً، فالجَذبُ يَنزِلُ إلى القَرارِ ثُمَّ يَستَوعِبُ فلا يُخَلِّفُ وَراءَه شَيئاً. كَلِمَتانِ فَقَط، وفيهِما عُمقٌ يُنزَلُ إليه ومَنزوعٌ لا يَبقى مِنه في مَوضِعِه بَقِيّة. تَبدَأُ السّورةُ بِفِعلٍ عارٍ من صاحِبِه، فَيَستَقيمُ الإصغاءُ إلى الحَدَثِ وَحدَه.