النازعات · الآية 5

﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا

«فَالْمُدَبِّرَاتِ»: صيغةٌ تَثقُلُ فيَثقُلُ مَعناها

وهذه فاءٌ ثانِيَةٌ تُتِمُّ التَّرتيبَ الذي بَدَأَته الأولى، ثُمَّ يَقَعُ أوَّلُ اختِلافٍ في بِناءِ الكَلِمة، فالأربَعُ التي قَبلَها اسمُ فاعِلةٍ من فِعلٍ مُجَرَّد، وهذه بِميمٍ في صَدرِها وتَشديدٍ في وَسَطِها، فإذا طالَ اللَّفظُ واشتَدَّ طالَ الفِعلُ واشتَدَّ مَعَه.

والجِذرُ د-ب-ر دَفعٌ يَتَّصِلُ بِما وَراءَ الوَجهِ ثُمَّ يَجري في جِهَتِه. والدُّبُرُ ما وَقَعَ خَلفَ الوَجه، و«أدبَرَ» وَلّى فصارَ ظَهرُه إلى ما كانَ أمامَه، و«دَبَّرَ الأمرَ» نَظَرَ في عاقِبَتِه، فتَدبيرُ الشَّيءِ أخذُه من طَرَفِه الآخَر، أي مِمّا يَصيرُ إلَيه دونَ ما يَبدو مِنه.

والأفعالُ الأربَعةُ قَبلَه تُرى في حينِها: جَذبٌ وحَلٌّ وجَرَيانٌ وتَقَدُّم، وكُلُّها تَقَعُ فتُشاهَد، وأمّا التَّدبيرُ فيَخفى وقتَ وُقوعِه، ويَظهَرُ حينَ يَبلُغُ الأمرُ آخِرَه، ولِذلك كانَ آخِرُ الأقسامِ أخفاها عن العَين.

«أَمْرًا»: كَلِمةٌ من غَيرِ حُروفِ فِعلِها تَرُدُّ الآخِرَ إلى الأوَّل

و«أَمْرًا» من غَيرِ حُروفِ «الْمُدَبِّرَاتِ»، وقد جَرى ثَلاثَ مَرّاتٍ أن تُعادَ الكَلِمةُ الثّانِيَةُ بِحُروفِ الأولى، ثُمَّ رَجَعَ الخامِسُ إلى ما كانَ عَلَيه الأوَّل: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، فهُما طَرَفانِ يَأخُذانِ كَلِمَتَهُما من خارِجِ الفِعل، وبَينَهُما ثَلاثةٌ تُعيدُ أفعالَها بِأنفُسِها.

والجِذرُ أ-م-ر قَطعٌ يَضُمُّ ما تَفَرَّقَ في كُتلةٍ واحِدةٍ ثُمَّ يَجري بِها مُمتَدّاً، فالأمرُ شَأنٌ مَعقودٌ يَمضي إلى غايَتِه، ومِنه الأمرُ يُقالُ فيَنفُذُ إلى مَن يَستَقبِلُه، والأُمورُ تَجري بِأهلِها. وإذا كانَ الأمرُ جارِياً بِطَبعِه، كانَ تَدبيرُه أخذَه من الجِهةِ التي يَجري إلَيها.

و«أَمْرًا» نَكِرة، والمُرادُ بِها قِطعةٌ من الشَّأنِ غَيرُ الشَّأنِ كُلِّه، فبَينَ الكَلِمَتَينِ مِيزانٌ يَستَقيم: صيغةٌ مُشَدَّدةٌ تُثَقِّلُ الفِعل، ومَفعولٌ مُنَكَّرٌ يَقتَطِعُ مَحَلَّه، فالشِّدّةُ في الإحكامِ لا في سَعَةِ ما يُدَبَّر.


حَصيلة

هنا فاءٌ ثانِيَةٌ تُتِمُّ التَّرتيب، ثُمَّ صيغةٌ تَنكَسِرُ عن أخَواتِها بِميمٍ وتَشديد، فيَطولُ اللَّفظُ ويَشتَدُّ الفِعلُ مَعَه. و«الْمُدَبِّرَاتِ» من د-ب-ر، وهو دَفعٌ يَتَّصِلُ بِما وَراءَ الوَجهِ ويَجري في جِهَتِه، والدُّبُرُ ما خَلفَ الوَجه، فتَدبيرُ الأمرِ أخذُه من طَرَفِه الآخَر. والأربَعةُ قَبلَه تَقَعُ فتُشاهَد، وهو لا يُشاهَدُ إلّا حينَ يَبلُغُ الأمرُ آخِرَه. ثُمَّ «أَمْرًا» من غَيرِ حُروفِ فِعلِه، فيَرتَدُّ الخامِسُ إلى ما كانَ عَلَيه الأوَّلُ في وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾، وتَبقى الثَّلاثةُ الوُسطى تُعيدُ أفعالَها بِأنفُسِها. والأمرُ في أ-م-ر شَأنٌ مَعقودٌ يَجري إلى غايَتِه، فيُؤخَذُ من الجِهةِ التي يَجري إلَيها، وهو مُنَكَّرٌ يَدُلُّ على قِطعةٍ دونَ استِغراق، وخُتِمَتِ الأقسامُ بِفِعلٍ لا يُرى وبِمَحَلٍّ لا يُحَدّ.