النازعات · الآية 46

﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا

«كَأَنَّهُمْ»: تَشبيهٌ يَنسِبُ المِقدارَ إلى النّاظِرِ لا إلى الزَّمَن

لم تَقُلِ الآيةُ إنَّهُم لَبِثوا عَشِيّة. قالَت «كأنَّ». وفي الكَلِمةِ كافُ تَشبيهٍ ثُمَّ حَرفُ تَوكيد، فالمُؤَكَّدُ هو المُشابَهةُ لا الواقِعة. المِقدارُ الذي في الآيةِ مِقدارٌ يَظهَرُ لَهُم، لا مِقدارٌ يُقاسُ بِه ما مَضى.

و«هُم» ضَميرُ غَيبةٍ يَرجِعُ إلى أقرَبِ جَماعةٍ ذُكِرَت، وأقرَبُ جَماعةٍ في هذا المَقطَعِ هُمُ الذينَ ابتَدَأَ بِهِم: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾. فالذينَ سَأَلوا عن الحينِ هُمُ الذينَ يَنكَشِفُ لَهُم يَومَئِذٍ أنَّ الأمَدَ لم يَكُنْ طَويلاً.

سُؤالٌ عن مَتى، ثُمَّ خاتِمةٌ تُذيبُ المَسافةَ التي قامَ عَلَيها السُّؤالُ نَفسُه.

«يَوْمَ يَرَوْنَهَا»: الرُّؤيةُ تَحُلُّ مَحَلَّ السُّؤال

«يَوْمَ» ظَرفٌ أُضيفَ إلى جُملة، فالحِصّةُ الزَّمَنِيّةُ هنا لا تُعرَفُ بِعَدَدٍ بَل بِما يَقَعُ فيها. وي-و-م في حُروفِه امتِدادٌ مَوصولٌ يُضَمُّ فيَصيرُ حِصّةً واحِدة. سُئِلَ عن يَومٍ بِمِيقاتِه، فعُرِّفَ اليَومُ بِحَدَثِه.

و«يَرَوْنَهَا» من ر-أ-ي: جَرَيانُ بَصَرٍ يَنبَثِقُ عِندَ المَنظورِ ثُمَّ يَمتَدُّ في النّاظِرِ رَأياً. لَيسَ وُقوعَ صورةٍ على عَينٍ فَحَسب، بَل نَظَرٌ يَنتَهي إلى حُكم.

وقد جَرى هذا الجِذرُ في السّورةِ مَرَّتَينِ من قَبل: فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ﴾، عَرضٌ يُعرَضُ فيُقابَلُ بِرَدّ؛ ووَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ﴾، رُؤيةٌ مُطلَقةٌ لا مَفعولَ لَها. وهُنا الرُّؤيةُ مُتَعَدِّيةٌ إلى ضَميرِها: يَرَونَ الشَّيءَ الذي سَأَلوا عن مِيقاتِه. وما يُرى لا يُسأَلُ عَن مَتى.

«لَمْ يَلْبَثُوا»: لُبثٌ يَطلُبُ مِقداراً

«لَمْ» تَنفي الماضِيَ وتَقطَعُه، والفِعلُ مَجزومٌ بِها. فالجُملةُ نَفيٌ مَبتوتٌ يُستَثنى مِنه.

والجِذرُ ل-ب-ث لُزومُ مَوضِعٍ يَتَراكَمُ فيه الزَّمَنُ حتّى يَصيرَ مِقداراً. ولذلك قَلَّما يَرِدُ إلّا ومَعَه ما يُقَدَّرُ بِه، فيَستَدعي السُّؤالَ بِكَم. وقد جاءَ المِقدارُ هُنا في الكَلِماتِ التي تَليه.

ولم تَقُلِ الآيةُ أينَ لَبِثوا. فِعلٌ يَطلُبُ مَوضِعاً ومُدّةً، فأُعطِيَ المُدّةَ وسُكِتَ عن المَوضِع، والقِراءةُ تَقِفُ عِندَ ما أُعطِيَ.

«إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا»: طَرَفانِ من نَهارٍ واحِد، وكَلِمةٌ تُغلَقُ عَلَيها السّورة

الاستِثناءُ بَعدَ النَّفيِ يَحصُرُ المِقدارَ في أقَلِّه. ولم يُجعَلِ المُقَدَّرُ يَوماً تامّاً بَل طَرَفاً مِنه، ثُمَّ عُطِفَ عليه طَرَفُه الآخَر. والمُخَيَّرُ بَينَ الطَّرَفَينِ لا يَربَحُ من التَّخييرِ شَيئاً: كِلاهُما دونَ اليَوم.

و«عَشِيَّةً» من ع-ش-و: قَبضٌ يَتَفَشّى أطرافاً ثُمَّ تُوصَلُ فتَلتَبِس. ومنه العَشِيُّ آخِرُ النَّهارِ حينَ تَختَلِطُ الحُدودُ فلا يَتَمَيَّزُ شَيءٌ عن جارِه. و«ضُحَاهَا» من ض-ح-و: ثِقَلٌ مَضمومٌ يَخلُصُ خارِجاً فيَمتَدُّ على ما تَحتَه. طَرَفٌ تَلتَبِسُ فيه الأشياءُ وطَرَفٌ تَنكَشِف.

و«ضُحَاهَا» كَلِمةٌ نَطَقَت بِها السّورةُ من قَبلُ في السَّماء: وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾. هُناكَ إغطاشٌ وإخراج، لَيلٌ وضُحىً لِسَقفٍ مَرفوع؛ وهُنا عَشِيّةٌ وضُحىً لِمُقامٍ قَصير. والضَّميرُ في آخِرِها لم تَحسِمْه الآية: يَرجِعُ إلى العَشِيّةِ المَذكورةِ قَبلَه فيَقتَطِعانِ مَعاً نَهاراً واحِداً بِطَرَفَيه، أو يَرجِعُ إلى ما حَمَلَته الضَّمائِرُ من أوَّلِ المَقطَع. والوَجهانِ يَنتَهِيانِ إلى مِقدارٍ واحِد: أقَلُّ من يَوم.

وتُغلَقُ السّورةُ على كَلِمةٍ قالَتها في نَفسِها. آخِرُ ما فيها ضَميرٌ، وآخِرُ اسمٍ فيها ضُحىً.


حَصيلة

لا تُخبِرُ الآيةُ بِمُدّةٍ بَل تُشَبِّه: كافُ تَشبيهٍ ثُمَّ حَرفُ تَوكيد، فالمُؤَكَّدُ هو المُشابَهةُ، والمِقدارُ مِقدارٌ يَظهَرُ لِلنّاظِرِ لا يُقاسُ بِه ما مَضى. والضَّميرُ يَرجِعُ إلى أقرَبِ جَماعةٍ ذُكِرَت، وهُمُ الذينَ ابتَدَأَ بِهِمُ المَقطَعُ سائِلينَ عن الحين. و«يَوْمَ» ظَرفٌ أُضيفَ إلى جُملةٍ فعُرِّفَتِ الحِصّةُ بِحَدَثِها لا بِعَدَدِها، وي-و-م امتِدادٌ مَوصولٌ يُضَمُّ فيَصيرُ حِصّةً واحِدة. و«يَرَوْنَهَا» من ر-أ-ي، جَرَيانُ بَصَرٍ يَنبَثِقُ عِندَ المَنظورِ ثُمَّ يَمتَدُّ في النّاظِرِ رَأياً؛ وقد كانَت رُؤى السّورةِ قَبلَه عَرضاً يُقابَلُ بِرَدٍّ ورُؤيةً مُطلَقةً بِلا مَفعول، فصارَت هُنا مُتَعَدِّيةً إلى ما سُئِلَ عن مِيقاتِه. و«لَمْ يَلْبَثُوا» نَفيٌ مَبتوتٌ بِأداةٍ تَجزِم، وَل-ب-ث لُزومُ مَوضِعٍ يَتَراكَمُ فيه الزَّمَنُ حتّى يَصيرَ مِقداراً، فجاءَ المِقدارُ مُستَثنىً بَعدَه وبَقِيَ المَوضِعُ مَسكوتاً عنه. ثُمَّ «عَشِيَّةً» من ع-ش-و، قَبضٌ يَتَفَشّى أطرافاً فتَلتَبِس، و«ضُحَاهَا» من ض-ح-و، ثِقَلٌ مَضمومٌ يَخلُصُ خارِجاً فيَنبَسِط: طَرَفانِ من نَهارٍ واحِد، أحَدُهُما تَختَلِطُ فيه الحُدودُ والآخَرُ تَنكَشِف. وقد نَطَقَتِ السّورةُ بِالكَلِمةِ الأخيرةِ من قَبلُ في سَماءٍ أُغطِشَ لَيلُها وأُخرِجَ ضُحاها، فرَجَعَتِ الكَلِمةُ في آخِرِ آيةٍ فيها. والضَّميرُ فيها غَيرُ مَحسوم: يَرجِعُ إلى العَشِيّةِ فيَقتَطِعانِ نَهاراً بِطَرَفَيه، أو إلى ما حَمَلَته الضَّمائِرُ من أوَّلِ المَقطَع؛ والمِقدارُ في الوَجهَينِ أقَلُّ من يَوم.