النازعات · الآية 10

﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ

«يَقُولُونَ»: أوَّلُ صَوتٍ يُنسَبُ إلى جَماعة

إلى هُنا كانَتِ السورةُ تَصِفُ ولا تُسنِدُ إلى أحَد: نازِعات، ناشِطات، راجِفة، رادِفة، واجِفة، خاشِعة. صِفاتٌ مُؤَنَّثةٌ بِلا مَوصوفٍ يُسَمّى. ثُمَّ تَجيءُ الواوُ في «يَقُولُونَ» فيَظهَرُ جَمعٌ لِأوَّلِ مَرّة. لا يَظهَرُ بِاسمٍ، بَل بِأنَّه يَتَكَلَّم.

والقَولُ في ق-و-ل عَقدٌ يَلتَئِمُ في العُمقِ ثُمَّ يُفارِقُ الفَمَ وهو مَحوزٌ لِقائِلِه. يُغادِرُ ولا يَنفَكّ. وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً لا ماضِياً، والمُضارِعُ يُجَدِّدُ الحَدَثَ ولا يُغلِقُه: كَلامٌ يُعادُ لا كَلِمةٌ قيلَت مَرّةً وانقَضَت. أوَّلُ ما عُرِفَ بِه هؤُلاءِ أنَّهُم يُكَرِّرون.

«أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ»: ثَلاثُ عُدَدٍ لِلتَّوكيدِ في كَلامِ مُنكِر

الهَمزةُ في صَدرِ الجُملة، و«إنَّ» بَعدَها، واللّامُ في خَبَرِها. ثَلاثُ عُدَدٍ لا تُساقُ لِطَلَبِ خَبَر. مَن يَستَفهِمُ يَستَخِفُّ لَفظَه لِيَتَّسِعَ لِلجَواب، ومَن يُنكِرُ يُثَقِّلُه لِيَسُدَّ بابَ الجَواب. فهذه صيغةُ سُؤالٍ في ظاهِرِها، وهي في مَجراها دَفعٌ لِما بَعدَها.

ثُمَّ اختارَتِ الآيةُ لَهُم اسمَ مَفعولٍ لا فِعلاً. لَم تَحكِ عَنهُم «أنَرجِعُ»، بَل «لَمَرْدُودُونَ». والرَّدُّ في ر-د-د إعادةُ الشَّيءِ إلى مَحَلِّه الأوَّلِ وتَقريرُه فيه، والرّادُّ غَيرُ المَردود. فهُم في صيغَتِهِم مَوضِعُ الفِعلِ لا فاعِلوه.

وهُنا يَنكَشِفُ ما يَدفَعونَه حَقّاً. لَيسَ الرُّجوعُ وَحدَه، بَل أن يَكونَ لِلرُّجوعِ يَدٌ تَرُدُّ. الكَلِمةُ التي نَطَقوا بِها تَحمِلُ فاعِلاً لَم يُسَمُّوه، وهي أَشَدُّ ما في قَولِهِم عَلَيهِم.

«فِي الْحَافِرَةِ»: أثَرٌ يُعادُ فيه، لا أرضٌ يُنزَلُ بِها

ح-ف-ر شَقٌّ يَغورُ في الأرضِ ويَجري فيَبقى أثَراً غائِراً. ومنه الحُفرةُ، ومنه الحافِرُ يَقَعُ على الأرضِ فيَترُكُ فيها وَقعَه، ومنه قَولُهُم «رَجَعَ في حافِرَتِه» أي عادَ في الأثَرِ الذي جاءَ فيه. فالحافِرةُ الطَّريقُ المَحفورةُ بِالمُرورِ نَفسِه.

وجاءَت «فِي» لا «إلى». والذاهِبُ إلى مَوضِعٍ يَبلُغُ حَدَّه من خارِج، والواقِعُ «فِي» يَنزِلُ في جَوفِه. فالمَنطوقُ بِه رُجوعٌ يَقَعُ داخِلَ أثَرٍ سابِق: يُعادُ الماشي في حَفرِ خُطاه.

وهي «الْحَافِرَةِ» على وَزنِ فاعِلة كَأخَواتِها في هذه الفَواصِل: راجِفة، رادِفة، واجِفة، خاشِعة. تَصِفُ ولا تُسَمّي، فتَبقى أثَراً مَحفوراً يُرَدُّ إليه، لا بُقعةً تُشارُ بِاليَد.


حَصيلة

يَظهَرُ الجَمعُ في السورةِ لِأوَّلِ مَرّةٍ لا بِاسمٍ بَل بِفِعلِ قَول، و«يَقُولُونَ» مُضارِعٌ يُجَدِّدُ الحَدَثَ فيَجعَلُ التَّكرارَ صِفَتَهُم، وق-و-ل عَقدٌ يُفارِقُ الفَمَ ويَبقى مَحوزاً لِصاحِبِه. ثُمَّ يَجتَمِعُ في كَلامِهِم ثَلاثُ عُدَدٍ لِلتَّوكيد: هَمزةٌ و«إنَّ» ولام، وهي في مَجراها دَفعٌ لا طَلَبُ خَبَر. ثُمَّ «لَمَرْدُودُونَ» اسمُ مَفعول، وَر-د-د إعادةٌ إلى المَحَلِّ الأوَّلِ وتَقريرٌ فيه، فقَد وَضَعوا أنفُسَهُم مَوضِعَ الفِعلِ وحَمَلوا في لَفظِهِم فاعِلاً لَم يُسَمُّوه. ثُمَّ «فِي الْحَافِرَةِ» وح-ف-ر شَقٌّ غائِرٌ يَبقى أثَراً، و«فِي» تُنزِلُ الرُّجوعَ في جَوفِ الأثَرِ لا عِندَ حَدِّه. أنكَروا أن يُعادوا في حَفرِ خُطاهُم، وقالوها بِلَفظٍ يَحمِلُ الرّادَّ مَعه.