عبس · الآية 21

﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ

«ثُمَّ أَمَاتَهُ»: هَمزةٌ في صَدرِ الفِعلِ تَنقُلُه إلى غَيرِ صاحِبِه

«ماتَ» يَقَعُ بِصاحِبِه، و«أماتَ» يَجعَلُ غَيرَه يَموت. والهَمزةُ وَحدَها هي الفارِق. فلم يُقَلْ هُنا إنَّه ماتَ، بل إنَّ المَوتَ أُوقِعَ بِه. وهو المَوقِعُ الذي لم يُغادِرْه مُنذُ أوَّلِ المَقطَع: يُفعَلُ بِه ولا يَفعَل.

والجِذرُ م-و-ت ضَمٌّ يَعقِدُ على ما احتَواهُ فيَسكُن، ثُمَّ يُقطَعُ عنه ما كانَ يَمُدُّه فيَتِمّ. ومنه «ماتَتِ النّارُ» إذا خَمَدَت فلم يَبقَ فيها ما يُمِدُّها، و«ماتَتِ الرِّيحُ» إذا سَكَنَت. فالمَوتُ في حُروفِه انقِطاعُ إمدادٍ لا زَوالُ عَين.

وجاءَت «ثُمَّ» ثانِيَةً. بَينَ تَليينِ السَّبيلِ وبَينَ هذا الخَبَرِ مَسافةٌ لم تُذكَرْ ولم تُقَدَّرْ بِعَدَد. حَرفٌ واحِدٌ يَحمِلُ عُمراً كامِلاً ولا يَقولُ فيه شَيئاً.

«فَأَقْبَرَهُ»: أفعَلَ لا فَعَلَ، فالقَبرُ عَطاءٌ لا مُباشَرةُ يَد

«قَبَرَه» غَيرُ «أقبَرَه». الأوَّلُ تَولّى دَفنَه بِيَدِه، والثاني جَعَلَ لَه قَبراً وصَيَّرَه إلى مَن يَقبُرُه. والذي في الآيةِ هو الثاني. فالمَذكورُ إعطاءُ القَبرِ لا مُباشَرةُ الطَّمر.

والجِذرُ ق-ب-ر قَطعٌ في الأرضِ يَحتَبِسُ فيه ما وُضِعَ فيه، ثُمَّ تُمسِكُه لَمسةٌ تَلتَحِمُ عَلَيه فلا يَنكَشِف. ومنه «قَبَرَ المَيِّتَ» أودَعَه الحُفرةَ فطَواه. فالقَبرُ طَيٌّ يُمسِك، لا مُجَرَّدَ حُفرةٍ في تُراب.

وجاءَتِ الفاءُ لا «ثُمَّ». بَينَ الأفعالِ السّابِقةِ تَراخٍ، وبَينَ هَذَينِ الاثنَينِ لا مُهلة. سَكَنَ الإمدادُ فطُويَ في السّاعة. والذي جُعِلَ لَه القَبرُ هو الذي جُعِلَ لَه السَّبيلُ قَبلَ سَطر: مَجرىً يُلَيَّنُ لِيَخرُج، ثُمَّ طَيٌّ يُمسِكُ لِيُحفَظ.


حَصيلة

فِعلانِ كِلاهُما على أفعَل، والهَمزةُ فيهِما تَنقُلُ الفِعلَ إلى غَيرِ صاحِبِه. «أَمَاتَهُ» لا «ماتَ»، فالمَوتُ أُوقِعَ بِه وهو في مَوقِعِه الذي لم يُغادِرْه. وم-و-ت ضَمٌّ يَسكُنُ ثُمَّ يَنقَطِعُ عنه إمدادُه فيَتِمّ. و«أَقْبَرَهُ» لا «قَبَرَه»، فالمَذكورُ إعطاءُ القَبرِ لا مُباشَرةُ الدَّفن، وق-ب-ر قَطعٌ في الأرضِ يَحتَبِسُ فيه ما أُودِعَ ثُمَّ تُمسِكُه لَمسةٌ تَلتَحِمُ عَلَيه. و«ثُمَّ» تَحمِلُ بَينَ التَّليينِ والمَوتِ مَسافةً لا تُذكَر، والفاءُ بَعدَها لا تُمهِل. أُلِينَ لَه مَجرىً لِيَخرُج، ثُمَّ جُعِلَ لَه طَيٌّ يُمسِكُه حينَ سَكَن.