عبس · الآية 42

﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ

«أُولَٰئِكَ هُمُ»: تُؤَخَّرُ التَّسمِيةُ إلى آخِرِ السّورة

مَضَت ثَماني آياتٍ تَصِفُ ولا تُسَمّي: فِرارٌ، وشَأنٌ، ووُجوهٌ تَكشِف، ووُجوهٌ يَقَعُ عَلَيها ما يُغَطّيها، ثُمَّ نُطِقَ بِالاسمِ في الكَلِمَتَينِ الأخيرَتَين.

و«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى بَعيد، يُشارُ بِها إلَيهِم ولا يُخاطَبون، وقد كانوا في الآياتِ قَبلَها وُجوهاً حاضِرةً تُرى، فالإشارةُ تُبعِدُ ما كانَ قَريباً في الوَصف.

ثُمَّ «هُمُ»، وهو ضَميرُ فَصلٍ يَقَعُ بَينَ المُشارِ إلَيهِ وخَبَرِه فيَحصُرُ الخَبَرَ فيه، فلا يُقالُ بَعدَه «وغَيرُهُم كذلك»، والاسمُ مُنطَبِقٌ على المُشارِ إلَيهِم وَحدَهُم.

«الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ»: سَترٌ وشَقٌّ في وَصفٍ واحِد

والكُفرُ في ك-ف-ر تَغطِيةٌ مُستَمِرّةٌ تَحجُبُ ما ظَهَر، ومِنه كَفَرَ الزّارِعُ البَذرَ إذا غَطّاهُ بِالتُّراب، وكَفَرَ اللَّيلُ النَّهارَ إذا جَلَّلَه فأخفاه. ولا يُغَطّى إلّا ما ظَهَر، فالجَذرُ يَشتَرِطُ سَبقَ الظُّهور.

والفُجورُ من ف-ج-ر، وهو شَقٌّ يُبرِزُ ما كانَ مَحبوساً في الباطِنِ ثُمَّ يَستَرسِلُ جارِياً، ومِنه انفَجَرَ الماءُ إذا انشَقَّ عَنه الحَجَرُ فجَرى، والفَجرُ انشِقاقُ اللَّيلِ عَمّا كانَ يَحبِسُه.

فالوَصفانِ حَرَكَتانِ مُتَعاكِسَتان: يَدٌ تَستُرُ ما بَدا، ويَدٌ تَشُقُّ فتُخرِجُ ما كانَ مَحبوساً، فيُغَطّى ما كانَ يَنبَغي أن يَبقى ظاهِراً، ويُطلَقُ ما كانَ يَنبَغي أن يَبقى مُمسَكاً.

وقد جاءَ هذا الجَذرُ في هذه السّورةِ من قَبلُ صَيحةً لا اسماً: قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾، وكانَ هُناكَ تَعَجُّباً على واحِدٍ مُعَرَّفٍ بِجِنسِه، وهو هُنا اسمٌ مَعرِفةٌ في جَمعٍ يُشارُ إلَيه، فالصَّيحةُ عادَت في آخِرِ السّورةِ وقد صارَت تَسمِية.


حَصيلة

وَصَفَت ثَماني آياتٍ ولم تُسَمِّ، ثُمَّ وَقَعَتِ التَّسمِيةُ في آخِرِ كَلِمَتَينِ من السّورة. و«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى بَعيدٍ تُبعِدُ ما كانَ حاضِراً في الوَصف، و«هُمُ» ضَميرُ فَصلٍ يَحصُرُ الخَبَرَ في المُشارِ إلَيهِم. و«الكَفَرة» من ك-ف-ر، وهو تَغطِيةٌ مُستَمِرّةٌ تَحجُبُ ما ظَهَر، ومِنه تَغطِيةُ الزّارِعِ لِلبَذرِ وتَجليلُ اللَّيلِ لِلنَّهار، ولا تَغطِيةَ لِما لم يَظهَر. و«الفَجَرة» من ف-ج-ر، أي شَقٌّ يُبرِزُ ما كانَ مَحبوساً ثُمَّ يَستَرسِل، فهُما حَرَكَتانِ مُتَعاكِسَتانِ في وَصفٍ واحِد: سَترُ ما بَدا، وإطلاقُ ما كانَ مُمسَكاً. والكَلِمَتانِ على فَعَلَة كَـ«غَبَرَة» و«قَتَرَة» قَبلَهُما، فأربَعُ كَلِماتٍ على بِناءٍ واحِدٍ تَختِمُ ثَلاثَ آيات، والتَّغطِيَتانِ اللَّتانِ على الوَجهِ تُجاوِبانِ في الوَقعِ التَّسمِيَتَينِ اللَّتَينِ لِصاحِبِه. وتُغلَقُ السّورةُ على الجَذرِ الذي صاحَت بِه في وَسَطِها، فما كانَ تَعَجُّباً على إنسانٍ صارَ اسماً لِجَماعةٍ يُشارُ إلَيها من بَعيد.