عبس · الآية 42

﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ

«أُولَٰئِكَ هُمُ»: تُؤَخَّرُ التَّسمِيةُ إلى آخِرِ السّورة

مَضَت خَمسُ آياتٍ تَصِفُ ولا تُسَمّي: فِرارٌ، وشَأنٌ، ووُجوهٌ تَكشِف، ووُجوهٌ يَقَعُ عَلَيها ما يُغَطّيها. ثُمَّ في الكَلِمةِ الأخيرةِ يُنطَقُ بِالاسم.

و«أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى بَعيد. يُشارُ إلَيهِم ولا يُخاطَبون، وقد كانوا في الآياتِ قَبلَها وُجوهاً حاضِرةً تُرى. فالإشارةُ تُبعِدُ ما كانَ قَريباً في الوَصف.

ثُمَّ «هُمُ» ضَميرُ فَصل: يَقَعُ بَينَ المُشارِ إلَيهِ وخَبَرِه فيَحصُرُ الخَبَرَ فيه. لا يُقالُ بَعدَه «وغَيرُهُم كذلك». الاسمُ يَنطَبِقُ على المُشارِ إلَيهِم وَحدَهُم.

«الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ»: سَترٌ وشَقٌّ في وَصفٍ واحِد

وك-ف-ر تَغطِيةٌ مُستَمِرّةٌ تَحجُبُ ما ظَهَر. ومنه كَفَرَ الزّارِعُ البَذرَ إذا غَطّاهُ بِالتُّراب، وكَفَرَ اللَّيلُ النَّهارَ إذا جَلَّلَه فأخفاه. ولا يُغَطّى إلّا ما ظَهَر: الجَذرُ يَشتَرِطُ سَبقَ الظُّهور.

وف-ج-ر شَقٌّ يُبرِزُ ما كانَ مَحبوساً في الباطِنِ ثُمَّ يَستَرسِلُ جارِياً. ومنه انفَجَرَ الماءُ إذا انشَقَّ عَنه الحَجَرُ فجَرى، والفَجرُ انشِقاقُ اللَّيلِ عَمّا كانَ يَحبِسُه.

فالوَصفانِ حَرَكَتانِ مُتَعاكِسَتان: يَدٌ تَستُرُ ما بَدا، ويَدٌ تَشُقُّ فتُخرِجُ ما كانَ مَحبوساً. يُغَطّى ما كانَ يَنبَغي أن يَبقى ظاهِراً، ويُطلَقُ ما كانَ يَنبَغي أن يَبقى مُمسَكاً.

وقد قيلَت هذه الكَلِمةُ في هذه السّورةِ من قَبلُ صَيحةً لا اسماً: قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾. هُناكَ تَعَجُّبٌ على واحِدٍ مُعَرَّفٍ بِجِنسِه، وهُنا اسمٌ مَعرِفةٌ في جَمعٍ يُشارُ إلَيه. الصَّيحةُ تَعودُ في آخِرِ السّورةِ وقد صارَت تَسمِية.


حَصيلة

خَمسُ آياتٍ تَصِفُ ولا تُسَمّي، ثُمَّ تَقَعُ التَّسمِيةُ في آخِرِ كَلِمَتَينِ من السّورة. «أُولَٰئِكَ» إشارةٌ إلى بَعيدٍ تُبعِدُ ما كانَ حاضِراً في الوَصف، و«هُمُ» ضَميرُ فَصلٍ يَحصُرُ الخَبَرَ في المُشارِ إلَيهِم. و«الكَفَرة» من ك-ف-ر: تَغطِيةٌ مُستَمِرّةٌ تَحجُبُ ما ظَهَر، ومنه تَغطِيةُ الزّارِعِ لِلبَذرِ وتَجليلُ اللَّيلِ لِلنَّهار، ولا تَغطِيةَ لِما لم يَظهَر. و«الفَجَرة» من ف-ج-ر: شَقٌّ يُبرِزُ ما كانَ مَحبوساً ثُمَّ يَستَرسِل. حَرَكَتانِ مُتَعاكِسَتانِ في وَصفٍ واحِد: سَترُ ما بَدا، وإطلاقُ ما كانَ مُمسَكاً. والكَلِمَتانِ على فَعَلَة كَـ«غَبَرَة» و«قَتَرَة» قَبلَهُما، فأربَعُ كَلِماتٍ على بِناءٍ واحِدٍ تَختِمُ ثَلاثَ آيات: التَّغطِيَتانِ اللَّتانِ على الوَجهِ تُجاوِبانِ في الوَقعِ التَّسمِيَتَينِ اللَّتَينِ لِصاحِبِه. والسّورةُ تُغلَقُ على الجَذرِ الذي صاحَت بِه في وَسَطِها: ما كانَ تَعَجُّباً على إنسانٍ صارَ اسماً لِجَماعةٍ يُشارُ إلَيها من بَعيد.