التكوير · الآية 10

﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ

«وَإِذَا»: الشَّرطُ التّاسِعُ، والمَحَلُّ يَنتَقِلُ إلى وَرَق

وما قَبلَ هذه الآيةِ أجرامٌ وأبدانٌ وأنفُس، ومِنها شَمسٌ ونُجومٌ وجِبالٌ وبِحارٌ ووُحوش، ثُمَّ تَجيءُ التّاسِعةُ فيَقَعُ الفِعلُ على صَحيفة.

ولم تَتَغَيَّرِ الصّيغةُ حينَ تَغَيَّرَ المَحَلّ، فـ«وَإِذَا» كما كانَت، والفِعلُ لم يُسَمَّ فاعِلُه كما في الشُّروطِ التي تَسبِقُه مُباشَرةً، والفاصِلةُ تَنتَهي إلى تاءٍ ساكِنةٍ كما انتَهَت، فتُساقُ الصُّحُفُ في الصَّفِّ الذي سيقَ فيه وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾.

وهذا وَحدَه خَبَر، ومَضمونُه أنَّ ما كُتِبَ يُعامَلُ مُعامَلةَ ما خُلِق، فلِلوَرَقِ في هذا المَوضِعِ ما لِلجَبَل.

«الصُّحُفُ»: يُسَمّى الحامِلُ ويُسكَتُ عن المَحمول

والجِذرُ ص-ح-ف إمساكٌ صُلبٌ يَحتَوي ما بَينَ حافَّتَيه، ثُمَّ تَفريقٌ يَبسُطُ ما احتَواه على ظاهِرِه، فالصَّحيفةُ سَطحٌ يُمسِكُ ويَنتَشِرُ عَلَيه ما يُكتَبُ سَطراً بَعدَ سَطر.

والكَلِمةُ نَفسُها وَرَدَت مَوصوفةً في مَوضِعٍ آخَر: فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾، وهي هُناكَ نَكِرةٌ مَجرورةٌ بِـ«في»، وِعاءٌ يُوضَعُ فيه ما لم يُسَمّ، وهي هُنا مَعرِفةٌ مَرفوعةٌ يَقَعُ عَلَيها الفِعل، فالوِعاءُ الذي كانَ ظَرفاً صارَ هو الواقِعَ عَلَيه الفِعل.

وفي المَوضِعَينِ سُكوتٌ واحِد، فلا يُذكَرُ المَكتوب، ولا عَدَدُ الصُّحُف، ولا مَن يَملِكُها، والكَلِمةُ تُسَمّي المَحمِلَ وتُقفِلُ على ما فيه، ومَوعِدُ مَن أرادَ ما في الصَّحيفةِ نَشرُها.

«نُشِرَتْ»: يُرفَعُ الطَّيُّ ولا يُزادُ حَرف

وأصلُ ن-ش-ر خُروجُ ما كانَ مَحوِيّاً إلى السَّعة، ثُمَّ جَريانٌ يَمُدُّ هذا الخُروجَ فلا يَقِفُ عِندَ حافّة، ومِنه نَشرُ الثَّوبِ بَعدَ طَيِّه، فلا يُزادُ فيه شَيءٌ ولا يُنقَص، ويُرى كُلُّه دُفعةً واحِدة.

فالنَّشرُ لا يُنشِئُ في الصَّحيفةِ سَطراً، والمَكتوبُ مَكتوبٌ قَبلَ أن تُنشَر، والذي تَغَيَّرَ أنَّ الطَّيَّ ارتَفَع. ولِذلك أوثِرَ فِعلُ البَسطِ على فِعلِ الكِتابة، فالذي في هذا المَوضِعِ رَفعُ حِجاب، ولا قَلَمَ فيه.

والفاعِلُ مَحذوفٌ كما في الشُّروطِ التي تَسبِقُه مُباشَرةً، فتُنشَرُ الصُّحُفُ ولا يُقالُ مَن نَشَرَها، فيَبقى النَّظَرُ حَيثُ وَضَعَته الآية، على المَنشورِ دونَ النّاشِر. والذي كانَ يَحجُبُ هو الطَّيّ، لا الحِبر.


حَصيلة

والشَّرطُ التّاسِعُ يَنقُلُ الفِعلَ من الأجرامِ إلى وَرَق، والصّيغةُ ثابِتةٌ مَعَ تَغَيُّرِ المَحَلّ: «وَإِذَا» وفِعلٌ لم يُسَمَّ فاعِلُه. و«الصُّحُفُ» (ص-ح-ف) سَطحٌ مُمسِكٌ يَنبَسِطُ عَلَيه ما يَتَفَرَّق، فالكَلِمةُ تُسَمّي الحامِلَ وتَسكُتُ عن المَحمول، كما سَكَتَت عنه في فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ﴾، غَيرَ أنَّها كانَت هُناكَ ظَرفاً مَجروراً وصارَت هُنا مَعرِفةً يَقَعُ بِها الفِعل. و«نُشِرَتْ» (ن-ش-ر) خُروجُ المَطويِّ إلى انبِساطٍ مُمتَدّ، فلا كِتابةَ في هذا المَوضِعِ ولا مَحو، والذي فيه رَفعُ طَيّ. والتَّغَيُّرُ فيما بَينَ الطَّيِّ والنَّشرِ واقِعٌ في مَن يُواجِهُ الصَّحيفة، والصَّحيفةُ نَفسُها على حالِها.