التكوير · الآية 9

﴿بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ

«بِأَيِّ»: باءٌ تَطلُبُ السَّبَب، واستِفهامٌ يَطلُبُ التَّعيين

الباءُ هُنا لِلسَّبَب: «بِأَيِّ ذَنبٍ» أي بِسَبَبِ أيِّ ذَنب. فالسُّؤالُ لَيسَ عمّا جَرى، فذاكَ مُقَرَّرٌ في آخِرِ الآية، بَل عن العِلّةِ التي جُعِلَت لَه.

و«أيّ» لا تُسألُ عن الجِنسِ بَل عن واحِدٍ مِنه بِعَينِه. مَن قالَ «بِأيِّ ذَنبٍ» فقد طَلَبَ أن يُشارَ إلى فَردٍ مُحَدَّدٍ من بابٍ مَفروضٍ أنَّه مَوجود. وهذا هو ما يَجعَلُ السُّؤالَ ثَقيلاً: لا يَقبَلُ جَواباً عامّاً، ويُلِحُّ حتّى يُسَمّى الشَّيءُ بِعَينِه.

«ذَنبٍ»: ما يَخرُجُ من صاحِبِه فيَتبَعُه ولا يَنتَقِل

ذ-ن-ب ما خَرَجَ من باطِنِ الشَّيءِ ثُمَّ بَقِيَ مُتَّصِلاً بِه يَتبَعُه. ومنه الذَّنَبُ ما امتَدَّ من آخِرِ الجِسمِ فلَزِمَه وتَبِعَه حَيثُ سار. فالذَّنبُ لَيسَ اسماً لِلفِعلِ السَّيِّئِ في نَفسِه، بَل لِما يَجُرُّه الفِعلُ وراءَ صاحِبِه.

والجِذرُ بِهَيئَتِه يَمنَعُ الانتِقال: ما نَبَتَ من جِسمٍ لا يُحمَلُ على جِسمٍ آخَر. فالمَطلوبُ في السُّؤالِ ذَنبٌ نابِتٌ مِنها هي، تابِعٌ لَها هي. وجاءَ نَكِرةً في سِياقِ الاستِفهام: أدنى ذَنبٍ يَكفي لَو وُجِد.

«قُتِلَتْ»: الفِعلُ مُثبَتٌ والفاعِلُ مَتروك

ق-ت-ل قَطعٌ يَتِمُّ حتّى يَستَوعِبَ امتِدادَ ما قُطِع. لَيسَ إعطاباً يُصيبُ طَرَفاً، بَل إنهاءُ الاستِمرارِ كُلِّه. ولِذلك قيلَ «قَتَلَ الشَّيءَ خُبراً» لِمَن بَلَغَ في عِلمِه مُنتَهاه فلم يُبقِ فيه مَجهولاً.

وجاءَ على فُعِلَت مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه. فالواقِعةُ مُثبَتةٌ لا يُنازَعُ فيها، والذي أوقَعَها لَيسَ في السَّطر. ومَن يُصغي يَجِدُ السُّؤالَ قد بُنِيَ كُلُّه على هذا: يُذكَرُ القَتلُ ولا يُذكَرُ القاتِل، ويُطلَبُ الذَّنبُ مِمَّن لا يَملِكُ أن يُخرِجَ ذَنباً.

والسُّؤالُ إذ يوَجَّهُ إلَيها يَسمَعُه غَيرُها. تُسأَلُ هي، ويُطلَبُ الجَوابُ من مَوضِعٍ آخَر. أن يوضَعَ الطَّلَبُ في فَمِ مَن لا فَمَ لَه أبلَغُ من أن يوضَعَ في وَجهِ مَن يُحسِنُ الاعتِذار.


حَصيلة

الباءُ لِلسَّبَب، و«أيّ» تَطلُبُ تَعيينَ واحِدٍ من جِنسٍ مَفروضٍ وُجودُه، فلا يُقبَلُ في جَوابِها إجمال. و«ذَنبٍ» في جِذرِها ذ-ن-ب ما خَرَجَ من صاحِبِه فبَقِيَ مُتَّصِلاً بِه يَتبَعُه، والجَذرُ بِهَيئَتِه يَمنَعُ الانتِقال: لا يُحمَلُ ذَنبُ جِسمٍ على جِسمٍ آخَر. و«قُتِلَتْ» في جِذرِها ق-ت-ل قَطعٌ يَتِمُّ حتّى يَستَوعِبَ امتِدادَ ما قُطِع، مَبنِيّاً لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه. فالآيةُ تُثبِتُ الواقِعةَ وتَحذِفُ فاعِلَها، وتَطلُبُ العِلّةَ مِمَّن وَقَعَت بِها. سُؤالٌ لا تَملِكُ المَسؤولةُ جَوابَه، لِأنَّ الجَوابَ لَيسَ عِندَها؛ وأشَدُّ ما في السُّؤالِ أنَّه لا يَحتاجُ إلى أن يُسَمّي مَن عِندَه.