الانفطار · الآية 2

﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ

«وَإِذَا»: واوٌ تُراكِمُ ولا تُرَتِّب

تُعادُ الأداةُ ومَعَها واو. ولَيسَ في الواوِ تَرتيبٌ في الزَّمَن: لا تَقولُ إنَّ هذا بَعدَ ذاك، تَقولُ إنَّ هذا مَعَ ذاك. فالمَشاهِدُ لا تُصَفُّ في طابور، تُوضَعُ بَعضُها فَوقَ بَعض.

والتَّراكُمُ يَعمَلُ في السّامِعِ عَمَلَ الثِّقَل. كُلَّما زيدَ مَشهَدٌ زادَ الحِملُ على جُملةٍ لم تَتِمّ. والجَوابُ ما زالَ مُؤَجَّلاً.

«الْكَوَاكِبُ»: ما اجتَمَعَ فأُمسِكَ في مَوضِعِه

الجِذرُ ك-و-ك-ب رُباعِيٌّ يَنعَقِدُ ثُمَّ يُمسِك: التِقاءٌ غائِرٌ يَنعَقِدُ ويُحيطُ بِنَفسِه، ثُمَّ إمساكٌ يَحتَبِسُ ويَتَعَلَّقُ بِمَوضِعِه. فالكَوكَبُ في الكَلِمةِ كُتلةٌ مُجتَمِعةٌ مُمسَكةٌ حَيثُ هي.

ولِذلك قيلَ في كَلامِ العَرَبِ «كَوكَبُ الشَّيء» لِمُعظَمِه وأشَدِّ ما فيه اجتِماعاً، و«كَوكَبُ الرَّوضة» لِنَورِها المُتَجَمِّع. فالاسمُ يَصِفُ الاجتِماعَ والإمساكَ قَبلَ أن يَصِفَ لَمَعاناً.

والجَمعُ هُنا مَقصود. لَيسَ في المَشهَدِ واحِدٌ يُنتَقى، بل جُملةُ ما تَجَمَّعَ وأُمسِك. وما اجتَمَعَ يُمكِنُ أن يَتَفَرَّق: هذا شَرطُ الاجتِماعِ نَفسِه.

«انتَثَرَتْ»: تَفَرُّقٌ دَقيقٌ يَتَساقَط

الجِذرُ ن-ث-ر انبِعاثٌ يَتَفَشّى دَقائِقَ ثُمَّ يَجري. ومنه «النِّثار» ما تَساقَطَ مُتَفَرِّقاً، و«نَثَرَ الشَّيءَ» فَرَّقَه من غَيرِ نَظم. فالتَّفَرُّقُ في الكَلِمةِ لَيسَ تَحَطُّماً، هو انفِراطُ ما كانَ مَنظوماً.

و«انتَثَرَتْ» على «افتَعَلَ» صيغةَ مُطاوَعة: التَّفَرُّقُ واقِعٌ بِالمَنثورِ نَفسِه، كما وَقَعَ الانفِطارُ بِالسَّماءِ في الآيةِ قَبلَها. فِعلانِ لا فاعِلَ لَهُما في اللَّفظ، وهذا اختِيارُ السّورةِ لا نَقصٌ فيها.

والكَلِمَتانِ في الآيةِ مُتَقابِلَتان. الأُولى تُسَمّي الاجتِماعَ والإمساك، والثانِيَةُ تُسَمّي الانفِراطَ والتَّساقُط. فَبَينَ أوَّلِ الآيةِ وآخِرِها لم يَتَغَيَّرِ المَوصوف، تَغَيَّرَ ما كانَ يُمسِكُه.


حَصيلة

واوٌ تُراكِمُ ولا تُرَتِّب، فتُوضَعُ الصّورةُ الثانِيَةُ فَوقَ الأُولى لا بَعدَها، ويَزيدُ الحِملُ على جُملةٍ ما زالَت مُعَلَّقة. و«الْكَوَاكِبُ» من ك-و-ك-ب: انعِقادٌ يُحيطُ ثُمَّ إمساكٌ يَحتَبِسُ في المَوضِع، فالاسمُ يَصِفُ الاجتِماعَ المُمسَكَ قَبلَ أن يَصِفَ لَمَعاناً، وجاءَ جَمعاً فشَمِلَ ما تَجَمَّعَ كُلَّه. و«انتَثَرَتْ» من ن-ث-ر: تَفَشٍّ دَقيقٌ يَتَساقَطُ ثُمَّ يَجري، على صيغةِ مُطاوَعةٍ كالأُولى. فالآيةُ تَضَعُ في سَطرٍ واحِدٍ كَلِمةَ الجَمعِ وكَلِمةَ التَّفريق، ولا تَذكُرُ بَينَهُما يَداً. ما يُمسِكُ المُجتَمِعَ لَيسَ فيه، ولِذلك يَنفَرِطُ حينَ يُرفَعُ عَنه.