الانفطار · الآية 1

﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ

«إِذَا»: تَوقيتٌ لا افتِراض

تُفتَتَحُ السّورةُ بِظَرفٍ لا بِخَبَر، و«إِذَا» في كَلامِ العَرَبِ لِما يُنتَظَرُ وُقوعُه، لا لِما يُشَكُّ فيه، فـ«إنْ» تَفتَرِضُ ولا تَجزِم، و«لَو» تَفتَرِضُ ما لَم يَقَعْ أصلاً، و«إِذَا» تُوَقِّتُ ما هو آتٍ، فمَبدَأُ السّورةِ تَوقيتٌ دونَ إقناع.

والظَّرفُ يَطلُبُ جَواباً، فمَن سَمِعَ «إِذَا» عَلِمَ أنَّ الجُملةَ لم تَتِمّ، وبَقِيَ مُعَلَّقاً يَنتَظِرُ ما بَعدَ الشَّرط، وهذا التَّعليقُ أوَّلُ ما تَصنَعُه السّورةُ بِسامِعِها.

ولن يَجيءَ الجَوابُ في هذه الآيةِ ولا في التي تَليها، وتَتَراكَبُ أربَعةُ مَشاهِدَ قَبلَ أن يَنزِلَ الجَوابُ في عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾، فالانتِظارُ مَقصود، والجُملةُ التي لم تَتِمَّ تُمسِكُ السّامِعَ أشَدَّ مِمّا تُمسِكُه الجُملةُ التّامّة.

«السَّمَاءُ»: ما عَلا فأَظَلَّ

والسَّماءُ من س-م-و، وهو امتِدادٌ يَعلو ثُمَّ يَنضَمُّ ويَبقى مَوصولاً بِما دونَه، ومِنه «السُّمُوّ»، أي ارتِفاعُ القَدر، و«الاسم»، وهو عَلامةٌ تُرفَعُ على الشَّيءِ فتَدُلُّ عَلَيه من فَوق. فالكَلِمةُ واقِعةٌ على العُلُوِّ لا على المادّة، وكُلُّ ما عَلا الإنسانَ فأظَلَّه فهو سَماءٌ لَه.

وجاءَت مُعَرَّفةً بِالألِفِ واللّام، والمَعهودُ عِندَ كُلِّ سامِعٍ واحِد، وهو ما فَوقَ رَأسِه، فلا يَحتاجُ أحَدٌ إلى أن يوصَفَ لَه، وهو أوَّلُ ما يَراهُ إذا رَفَعَ بَصَرَه.

وهُنا يَقَعُ الأثَر، فالشَّيءُ الذي بُنِيَ عَلَيه إحساسُ الإنسانِ بِالثَّباتِ هو أوَّلُ ما يُبتَدَأُ بِه، وما لا يَخطُرُ لِأحَدٍ أنَّه يَزولُ هو الذي يُقالُ عَنه أوَّلُ ما يُقال.

«انفَطَرَتْ»: فَتحٌ يَقَعُ بِها ولا يُسَمّى لَه فاعِل

وأصلُ ف-ط-ر شَقٌّ يَتَّسِعُ ثُمَّ يَجري، أي فَتحُ الشَّيءِ عن نَفسِه أوَّلَ ما يُفتَح، والشَّقُّ غَيرُ الكَسر، فالمَكسورُ يَذهَبُ ولا يُبقي شَيئاً، والمَشقوقُ يَنفَتِحُ عَمّا كانَ مَستوراً فيه، ولِذلك وُصِفَتِ السَّماءُ هُنا بِالانفِتاح، ولم توصَفْ بِالذَّهاب.

و«انفَطَرَتْ» على «انفَعَلَ»، وهي صيغةُ المُطاوَعة، يَقَعُ فيها الفِعلُ بِالمَحَلِّ ولا يُذكَرُ لَه فاعِلٌ في اللَّفظ، فعُدِلَ عن «فَطَرَها» إلى الإخبارِ بِأنَّها انفَطَرَت، والسُّكوتُ عنِ الفاعِلِ سُكوتُ الآيةِ نَفسِها، والقِراءةُ تَقِفُ حَيثُ وَقَفَت.

وفي الجِذرِ ما يُسمَعُ مَرَّتَين، فالفَطرُ أوَّلُ شَقٍّ يُشَقُّ في الشَّيءِ فيَبتَدِئُ بِه وُجودُه، وهو نَفسُه الشَّقُّ الذي يُذكَرُ هُنا آخِراً، فالكَلِمةُ الواحِدةُ تَحمِلُ الطَّرَفَين: ما بِه بُدِئَ، وما بِه يُنتَهى.


حَصيلة

تَبدَأُ السّورةُ بِتَوقيتٍ لا بِبُرهان، فـ«إِذَا» لِما يَقَعُ لا لِما يُشَكُّ فيه، وهي تَطلُبُ جَواباً يُؤَجَّلُ إلى الآيةِ الخامِسة، فيُحمَلُ السّامِعُ مُعَلَّقاً عَبرَ أربَعةِ مَشاهِد. ثُمَّ «السَّمَاءُ»، وس-م-و امتِدادٌ يَعلو ويَبقى مَوصولاً بِما دونَه، فالاسمُ واقِعٌ على العُلُوِّ دونَ الجِرم، والتَّعريفُ يُشيرُ إلى ما فَوقَ رَأسِ كُلِّ سامِع. ثُمَّ «انفَطَرَتْ»، وف-ط-ر شَقٌّ يَتَّسِعُ ثُمَّ يَجري، وقد جاءَ على صيغةِ مُطاوَعةٍ لا يُسَمّى لَها فاعِل. فأوَّلُ ما تَقولُه السّورةُ أنَّ السَّقفَ الذي لا يُشَكُّ في ثَباتِه يَنفَتِح، وأنَّ فَتحَه من جِنسِ ابتِدائِه، فما فُتِحَ أوَّلَ مَرَّةٍ يُفتَحُ آخِرَ مَرَّة.