الانشقاق · الآية 4

﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ

«وَأَلْقَتْ»: الفِعلُ يَنتَقِلُ إلى الأرضِ بَعدَ أن وَقَعَ عَلَيها

كانَتِ الأرضُ في الآيةِ قَبلَها مَفعولاً: «مُدَّتْ»، وهي هُنا فاعِلٌ: «أَلْقَتْ»، والتَّرتيبُ لا يَنعَكِس، فهي تُبسَطُ أوَّلاً ثُمَّ تُلقي، إذ مَن لَم يُبلَغْ بِه مَداهُ يَبقى فيه طَيٌّ يُخَبِّئُ فيه، والمَبسوطُ إلى آخِرِه لَيسَ لَه ما يُمسِكُ بِه.

و«أَلقى» من ل-ق-ي، ومَعناه انفِصالٌ عن ماسِكٍ ومَصيرٌ إلى مَوقِع، فالشَّيءُ يُفارِقُ يَداً كانَت تُمسِكُه فيَقَعُ حَيثُ يَقَع، والكَلِمةُ تَحمِلُ إرخاءَ قَبضةٍ ووُقوعاً في مَحَلٍّ جَديد، ولَيسَ فيها عُنفٌ ولا قَذف.

ويَعودُ هذا الجَذرُ نَفسُه في السّورةِ بَعدَ آيَتَين: فَمُلَاقِيهِ﴾، فالأرضُ تُلقي والإنسانُ يُلاقي، وهُما كَلِمَتانِ من جِذرٍ واحِدٍ في جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَين، وما أُفلِتَ من قَبضةٍ هُنا يُواجَهُ وَجهاً لِوَجهٍ هُناك.

«مَا فِيهَا»: مَوصولٌ لا يُعَيِّنُ ولا يُعَدّ

ولَم تُسَمَّ الحُمولة، فجاءَ «مَا» وسُكِتَ عَنها، ولَو أُريدَ عَدٌّ لَعُدَّ، والمَوصولُ في هذا المَوضِعِ يَفتَحُ ولا يَحصُر، فالمُرادُ كُلُّ ما كانَ فيها، بِلا قائِمةٍ تُوضَعُ ولا صِنفٍ يُقَدَّمُ على صِنف.

وأوثِرَ «فِيهَا» على «عَلَيها»، والظَّرفِيّةُ تَنقُلُ النَّظَرَ من السَّطحِ إلى الجَوف، فالمَقصودُ ما كانَ في باطِنِها لا ما كانَ ماشِياً على ظَهرِها، وبِحَرفٍ واحِدٍ صارَتِ الآيةُ في المَستورِ لا في المَشهود.

«وَتَخَلَّتْ»: خُطوةٌ ثانِيَةٌ أبعَدُ من الأولى

وأصلُ خ-ل-و فَراغٌ يُحاطُ بِه فيَبقى مَوضِعُه، يُقالُ «خَلا المَكانُ» إذا فَرَغَ من شاغِلِه وبَقِيَ هو، و«الخَلاءُ» ما لا شاغِلَ فيه، فالخُلُوُّ زَوالُ ما في المَحَلِّ وبَقاؤُه هو خالِياً، دونَ زَوالِ المَحَلِّ نَفسِه.

و«تَخَلَّتْ» على بِناءِ التَّكَلُّفِ والتَّدَرُّج، أي إخلاءٌ تَتَولّاهُ بِنَفسِها وتَمضي فيه، ولَيسَت تَكراراً لِما قَبلَها، فالإلقاءُ يَقَعُ على الحُمولة، والتَّخَلّي يَقَعُ على الإمساكِ نَفسِه، وقد أخرَجَت ما فيها أوَّلاً، ثُمَّ تَخَلَّت عن كَونِها التي تُمسِك.

والوِعاءُ الذي أُفرِغَ يَبقى وِعاءً يَنتَظِرُ أن يُملَأ، وأمّا الذي تَخَلّى فقَد رَفَعَ يَدَه عن الإمساكِ أصلاً. وهذا آخِرُ ما يُقالُ في فِعلِ الأرض، ثُمَّ تُقالُ لَها الجُملةُ التي قيلَت لِلسَّماء.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الأرضُ من المَفعولِيّةِ إلى الفِعل، فقد بُسِطَت فأَلقَت، والتَّرتيبُ لا يَنعَكِسُ لِأنَّ المَطويَّ يُخَبِّئُ والمَبسوطَ لا يُمسِك. و«أَلقى» من ل-ق-ي، وهو انفِصالٌ عن ماسِكٍ ومَصيرٌ إلى مَوقِع، أي إرخاءُ قَبضةٍ لا قَذفُ عُنف، ويَعودُ الجَذرُ بَعدَ آيَتَينِ في فَمُلَاقِيهِ فيَصيرُ ما أُفلِتَ هُنا مُواجَهةً هُناك. و«مَا فِيهَا» مَوصولٌ يَفتَحُ ولا يَحصُر، وحَرفُ الظَّرفِيّةِ يَنقُلُ النَّظَرَ إلى الجَوفِ لا إلى الظَّهر. ثُمَّ «تَخَلَّتْ» من خ-ل-و، وهو فَراغٌ يُحاطُ بِه فيَبقى مَوضِعُه، وهو على بِناءٍ تَتَوَلّى بِه الأرضُ إخلاءَ نَفسِها، فالأوَّلُ يَقَعُ على الحُمولةِ والثّاني يَقَعُ على الإمساك، والوِعاءُ الذي رَفَعَ يَدَه عن الإمساكِ لَم يَعُدْ يَنتَظِرُ أن يُملَأ.