الانشقاق · الآية 5

﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ

جُملةٌ تَعودُ بِحُروفِها لِطَرَفٍ آخَر

هي هي. لا كَلِمةَ زادَت ولا حَرَكةَ تَغَيَّرَت ولا ضَميرَ تَبَدَّل. قيلَت لِلسَّماءِ في الثّانِيةِ وتُقالُ لِلأرضِ في الخامِسة، وبَينَهُما فِعلانِ لَم تَشتَرِكا فيهِما.

والتَّكرارُ الذي لا يُغَيِّرُ حَرفاً يَقولُ ما لا يَقولُه التَّنويع. لَو أُفرِدَتِ الأرضُ بِعِبارةٍ خاصّةٍ بِها لَصارَ لَها في الجَوابِ مَقامٌ غَيرُ مَقامِ السَّماء. فلَمّا جاءَتِ الجُملةُ واحِدةً عُلِمَ أنَّ ما يُطلَبُ من الأعلى هو ما يُطلَبُ من الأسفَل، وأنَّ اختِلافَ ما يَجري بِهِما لا يُغَيِّرُ ما يُنتَظَرُ مِنهُما.

«وَأَذِنَتْ»: الكَلِمةُ نَفسُها لِمَن فَعَلَ ولِمَن فُعِلَ بِه

سَبَقَ هذا الإصغاءَ في الجِهةِ الأولى فِعلٌ وَقَعَ على السَّماءِ ولَم تَملِكْه: إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾. وسَبَقَه في هذه الجِهةِ فِعلانِ صَدَرا عن الأرضِ نَفسِها: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾. طَريقانِ مُختَلِفانِ يَنتَهيانِ إلى «أَذِنَتْ».

فالإصغاءُ لَيسَ جَزاءَ فِعلٍ ولا نَتيجةَ حال. مَن أُخِذَ ومَن أعطى يَقِفانِ عِندَ الكَلِمةِ نَفسِها. وأ-ذ-ن فَتحُ مَنفَذٍ يَنفُذُ فيه ما أُذِنَ لَه، والمَنفَذُ لا يَسألُ عَمّا كانَ قَبلَه.

«لِرَبِّهَا»: ضَميرٌ يَتَحَوَّلُ والمُضافُ إلَيه واحِد

الهاءُ في «رَبِّهَا» كانَت لِلسَّماءِ وصارَت لِلأرض. والكَلِمةُ لا تَقولُ «رَبِّهِما»، تُعيدُ النِّسبةَ لِكُلِّ واحِدةٍ على حِدَتِها. لا يُجمَعانِ في نِسبةٍ واحِدةٍ فيَضيعَ أحَدُهُما في الآخَر، ولا يُترَكُ أحَدُهُما بِلا نِسبة.

و«رَبّ» من ر-ب-ب إمساكٌ مُلازِمٌ يُنَمّي ما أمسَك. والمُلازِمُ يُلازِمُ كُلَّ واحِدٍ وَحدَه، ولِذلك تُكَرَّرُ الإضافةُ ولا تُختَصَر. كُلُّ شَيءٍ يُنادى بِنِسبَتِه هو، لا بِنِسبةِ جارِه.

«وَحُقَّتْ»: خاتِمةٌ لا تَقَعُ إلّا آخِراً

في المَوضِعَينِ مَعاً تَجيءُ هذه الكَلِمةُ أخيرةً. لا تَفتَحُ شَرطاً ولا تَتَوَسَّطُ فِعلَين، إنَّما تُغلِقُ ما قَبلَها. وح-ق-ق ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح، فمَوقِعُها من الجُملةِ يُشبِهُ مَعناها: ما ثَبَتَ لا يُبنى عليه شَيءٌ بَعدَه.

وبُنِيَت لِلمَفعولِ هنا كَما بُنِيَت هُناك، وحُذِفَ الفاعِلُ في المَرَّتَين. وهو في المَرَّتَينِ مَذكورٌ قَبلَ كَلِمَتَينِ: «رَبِّهَا». يُصغى إلَيه ثُمَّ يُحكَمُ بِه، والمُصغي لا يَشهَدُ لِنَفسِه.

وبِهذِه الكَلِمةِ يُغلَقُ الشَّرطانِ مَعاً. خَمسُ آياتٍ من الوَقتِ والفِعلِ والإصغاء، ثُمَّ يَلتَفِتُ الخِطابُ إلى مَن لَم يُذكَرْ بَعدُ. السَّقفُ أصغى والأرضُ أصغَت، ويَبقى واحِدٌ بَينَهُما يُنادى بِاسمِ جِنسِه.


حَصيلة

الجُملةُ نَفسُها بِحُروفِها، لِطَرَفٍ غَيرِ الأوَّل. والتَّكرارُ الذي لا يُغَيِّرُ حَرفاً يَقولُ إنَّ ما يُطلَبُ من الأعلى هو ما يُطلَبُ من الأسفَل. و«أَذِنَتْ» من أ-ذ-ن: فَتحُ مَنفَذٍ يَنفُذُ فيه ما أُذِنَ لَه، جاءَ في الجِهةِ الأولى بَعدَ فِعلٍ وَقَعَ على السَّماءِ ولَم تَملِكْه، وفي هذه بَعدَ فِعلَينِ صَدَرا عن الأرضِ نَفسِها: طَريقانِ يَنتَهيانِ إلى كَلِمةٍ واحِدة. و«لِرَبِّهَا» تُعادُ الإضافةُ لِكُلِّ واحِدةٍ على حِدَتِها ولا يُقالُ «رَبِّهِما»، فالإمساكُ المُلازِمُ يُلازِمُ كُلَّ شَيءٍ وَحدَه. و«حُقَّتْ» من ح-ق-ق: ثُبوتٌ مُحكَمٌ لا يُزَحزَح، تَقَعُ آخِرَةً في المَوضِعَينِ فيُشبِهُ مَوقِعُها مَعناها، ويُحذَفُ فاعِلُها وقَد ذُكِرَ قَبلَ كَلِمَتَين. وبِها يُغلَقُ الشَّرطانِ مَعاً، ويَبقى بَينَ السَّقفِ والأرضِ واحِدٌ لَم يُنادَ بَعدُ.