البلد · الآية 4

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ

«لَقَد»: تَوكيدٌ يَسبِقُ الخَبَر

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«لَقَد»، ولامُ التَّوكيدِ فيها مَوصولةٌ بِحَرفِ التَّحقيقِ «قد»، فيَجتَمِعُ في صَدرِ الجُملةِ تَأكيدانِ يَنزِلانِ على ما بَعدَهما قَبلَ أن يُذكَر. وهذا المَطلَعُ يُهَيِّئُ السامِعَ لِخَبَرٍ مَقطوعٍ بِه لا مَوضِعَ فيه لِلظَّنّ: ما سَيُقالُ ثابِتٌ في أصلِ الخِلقة، لا حالةٌ عارِضةٌ تَزول.

والقَسَمُ المُتَقَدِّمُ في صَدرِ السورةِ كانَ يُمَهِّدُ لِهذا التَّحقيق، فبَعدَ أن أُقسِمَ بِأرضٍ ثابِتةٍ يَحِلُّ فيها المُخاطَب، يَأتي جَوابُ القَسَمِ مُؤَكَّداً: «لَقَد خَلَقنا». والتَّوكيدُ هُنا يَضَعُ الخَبَرَ حَدّاً لا يُكابَر، لا يُزَيِّنُه.

«خَلَقنا الإنسانَ»: تَقديرٌ يُخرِجُ صورةً مُحكَمة

الجِذرُ خ-ل-ق يَدورُ على التَّقديرِ الذي يَشُقُّ المادّةَ فيُخرِجُها على هَيئةٍ مُحكَمة، يُقالُ «خَلَقَ الأديمَ» إذا قَدَّرَه قَبلَ القَطع، و«الخَليقُ» المُقَدَّرُ لَه الشَّيءُ على وَفقِ ما يُناسِبُه. فالخَلقُ تَقديرٌ يَنفُذُ في الشَّيءِ ويُحكِمُ صورَتَه على قَدَرٍ مَعلوم، لا إيجادٌ عَشوائِيّ.

و«الإنسانُ» من أصلٍ يَدورُ على الظُّهورِ بَعدَ خَفاءٍ والأُنسِ بَعدَ وَحشة، فالمَخلوقُ المَذكورُ هُنا هذا الكائِنُ الذي يَأنَسُ ويُؤنَسُ، يَنبَعِثُ ظاهِراً من بَعدِ ما كانَ مَطويّاً، لا نَوعٌ مُجَرَّد. والمُخاطَبُ الذي أُقسِمَ بِالأرضِ التي يَحِلُّ فيها من هذا الكائِنِ نَفسِه.

«فِي كَبَدٍ»: ظَرفٌ يُحيطُ بِالخِلقة

الجِذرُ ك-ب-د يَدورُ على ثِقَلٍ مَكتومٍ في الباطِنِ يَضغَطُ ويَثبُت، ومِنه «الكَبِدُ» العُضوُ الثَّقيلُ الغائِرُ في وَسَطِ الجَوف، و«كَبِدُ السَّماء» وَسَطُها حَيثُ تَشتَدُّ الشَّمسُ وتَثقُلُ، و«تَكَبَّدَ الأمرَ» إذا حَمَلَ مِنه ما يَشُقُّ ويُثقِل. فالكَبَدُ مَشَقّةٌ تُضايِقُ من داخِلٍ لا من سَطح.

وحَرفُ «في» يَجعَلُ الكَبَدَ ظَرفاً مُحيطاً بِالخِلقةِ لا عارِضاً يَطرَأُ عَلَيها، فقد خُلِقَ الإنسانُ مَوضوعاً «في» الكَبَدِ كأنَّه مَظروفٌ فيه، ولم يُخلَق ثُمَّ يُصِبْه الكَبَدُ بَعدَ ذلك. فالمَشَقّةُ مَدارُ حالِه من أوَّلِ نَشأتِه، يَتَقَلَّبُ فيها كما يَتَقَلَّبُ الشَّيءُ في وِعائِه.


حَصيلة

تُحَقِّقُ الآيةُ بِتَوكيدٍ مُضاعَفٍ «لَقَد» خَبَراً عن أصلِ الخِلقةِ لا عن حالٍ عارِض. والجِذرُ خ-ل-ق تَقديرٌ يَنفُذُ فيُخرِجُ صورةً مُحكَمة، فالإنسانُ مَخلوقٌ على قَدَرٍ مَعلوم، و«الإنسانُ» الكائِنُ الذي يَظهَرُ من خَفاءٍ ويَأنَس. والكَبَدُ من ك-ب-د، ثِقَلٌ مَكتومٌ يَضغَطُ من باطِن، وحَرفُ «في» يَجعَلُه ظَرفاً مُحيطاً لا طارِئاً. فالآيةُ تُقَرِّرُ أنَّ المَشَقّةَ مَوضوعةٌ في صُلبِ التَّقديرِ الذي خُلِقَ عَلَيه هذا الكائِن، يَتَقَلَّبُ فيها مُنذُ نَشأتِه، وهي مِفتاحُ ما يَلي من ذِكرِ الطَّريقِ الذي لم يُقتَحَم.